سعاد كينيكلي أوغلو
تضررت شرعية حكومة العدالة والتنمية التركي بأحداث حديقة “جيزي” الواقعة في ميدان تقسيم بوسط مدينة إسطنبول، وزادت سوءا بعمليات الفساد التي تم الكشف عنها في 17 و25 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وعليه تم تحديد مكانة تركيا التي كانت تحتلها في العالم المتحضر من جديد، وإن التعديلات القانونية التي تمت والبيانات التي أعلنت خلال هذا العام تظهر لنا الصورة الجديدة بشكل واضح وجلي.
لاريب في أن حالة من التغيير والغرابة طرأت على هذا البلد والمسؤولين فيه منذ اندلاع احتجاجات حديقة جيزي حتى الآن؛ فبمجرد النظر إلى التصريحات التي يدلي بها المسؤولون على الصعيد الداخلي والعالمي تصابون أنتم أيضًا بحالة من الإندهاش وعدم استيعاب مايحدث حولكم، وإذا قمنا بتحليل البيانات والتصريحات التي صدرت عنهم -داخليا وخارجيا- منذ العام الماضي حتى يومنا هذا، نتوصل إلى معطيات للتحليل النفسي تبعث على الذعر والقلق لم تكن في الحسبان.
وإذا ألقينا نظرة فاحصة على مجريات الأمور لمحاولة فهم واستيعاب التصريحات التي أدلى بها المسؤولون الذين يديرون الدولة، فأول ما يلفت الانتباه أمامنا أن ثمة حقيقة لايمكن التغاضي عنها وهي أن تركيا ولجت دائرة العزلة على الصعيد العالمي، أمّا على الصعيد الداخلي فهي تشهد عزلة مختلفة إلى حد ما، إذ إن هناك حزبا حاكما ينظر إلى كل ما حوله بنظرة الشك والارتياب الناجمة عن البارانويا paranoya (جنون العظمة)، وهي عزلة طرأت على المسؤولين في ظلال القصور والمساكن الفارهة والجوامع.
وعندما نلقي نظرة عن كثب إلى هذه العزلة الآخذة في الازدياد داخليا وخارجيا، يلفت أنظارنا بعض التفاصيل المثيرة للدهشة والغرابة. ويشير التقرير الذي أعدّه كل من German Marshall Fund ومركز الأبحاث Pew Research Center المتحدة بصفة مستمرة في استطلاع له بالرأي العام عن سياسة تركيا، بشكل واضح إلى أن الحكومة الحالية لاتثق كثيرا بالدول الأخرى ولا تحب أحدا كثيرا.
ولا يمكن أن نفسر هذا الموقف، أي عدم الثقة والمحبة على أنه ردة فعل تجاه العالم الغربي فحسب، حيث إنه لا يمكن القول إن الحكومة تشعر بارتياح تجاه كل من السعوديين والروس والصينيين، بنفس قدر التعاطف الذي تبديه تجاه الفلسطينيين والذين طالما يردده المسؤولون في الحكم على ألسنتهم في كل مناسبة، مع أنه هو الآخر صار في دائرة محدودة مقارنة بما كان عليه في السابق، وعندما ننظر إلى ردود مواطني الدول الأخرى على الأسئلة نفسها، يظهر لنا التباين والتناقض على نحو أكثر وضوحا.
على أنّ المشكل الرئيسي الصارخ والواضح للعيان في إطار هذه الأحوال والظروف الراهنة هو أن هذا البلد يعاني مما يشبه “أعراض متلازمة الذئب المنفرد” بمعدلات آخذة في الازدياد، وإنه لمن العسير أن أقوله ولكننا للأسف أصبحنا مواطنين في دولة تم استبعادها من مفاوضات الانضمام لعضوية الاتحاد الأوروبي، وعلاقاتها متوترة مع الولايات المتحدة، ولها نزاع وشجار مع دول الجيران، وفقدت مصداقيتها في حلمها بأن تكون دولة رائدة في المنطقة التي توجد فيها، إذ فقدت مكانتها المحترمة فيها، مع أن المسؤولين يحاولون التستر على هذا الوضع الحرج بكلمات معسولة وبراقة، مثل أن تركيا في “عزلة كريمة”، فلا يخفى على أحد أن تركيا فقدت هيبتها واعتبارها وأصبحت وحيدة في المحافل الدولية، وياليتها وقفت عند فقدان الهيبة فقط، لكن هذه الحالة المشوهة والمتدهورة بدأت تضر مصالح تركيا.
تضررت شرعية حكومة العدالة والتنمية بأحداث حديقة “جيزي” الواقعة في ميدان تقسيم بوسط مدينة إسطنبول وزادت سوءا بعمليات الفساد التي ظهرت على السطح في 17 و25 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وعليه تم تحديد مكانة تركيا التي كانت تحتلها في العالم المتحضر من جديد. وإن التعديلات القانونية التي تمت والبيانات التي أعلنت خلال هذا العام تظهر لنا الصورة الجديدة بشكل واضح وجلي.
ويتسبب هذا التحديد الجديد لمكانة تركيا في عدم الانتباه إلى تحفظ تركيا ومطالبها المحقة في بعض الأمور الحساسة، كما حدث في مسألة بلدة عين العرب (كوباني). وكما أوضح مراقب أجنبي يتابع شأن تركيا، فإن تركيا محقة في بعض الموضوعات المتعلقة بالسياسة الخارجية إلا أن كونها محقة ليس من استراتيجيات السياسة الخارجية، وأن المهام الحقيقية لصنّاع القرار الذين يتحملون المسؤولية في أنقرة هي حماية المصالح الوطنية للبلاد، وليس يكفي أن نقف على بعد من السياسة الخارجية بقولنا أنا محق، ونحن محقون، وليتبن الجميع نظرتنا، إن أمثال العبارات التي تلفظ بها رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو في الفلبين ما مفاده: “إنني ألقن درسا للعالم أجمع”، وبغض النظر عمَن ضحكوا عليها، من الواضح أنها لن تفيد في اكتساب تركيا دولا صديقة لها.
لنعد إلى موضوعنا مرة أخرى، عندما نلقي نظرة إلى التفسيرات العلميّة حول أعراض متلازمة الذئب المنفرد، نصادف أنه تم تعريف ذلك بأن الذئب المنفرد هو اسم يطلق على الذئب الذي يتحدى الذئب الرمادي (Alfa) رئيس القطيع ويخرج منهزما من الصراع ويبتعد عن القطيع ليعيش في عزلة منكفئا على نفسه.
هل تلاحظون وجه شبه في ذلك؟

















