عبدالقادر جيوان
تناولت في الجزء الأول من هذا المقال الفوائد والمنافع التي تعود على حجم التجارة المتبادلة بين تركيا والدول، التي توجد بها المدارس التركية، التي يحرص رجال الأعمال الأتراك على إنشائها في دول العالم المختلفة.
وفي الواقع، كنت قد لخصت المعطيات التي توصلنا إليها نتيجة الدراسة العلمية التي أجريتها مع زميلي فاروق باللي وأوغوز أوراس. وأود في هذا المقال أن أناقش إسهامات المدارس التركية بالقوة قبل أن تكون بالفعل في الاقتصاد التركي. كما أتمنى أن يتمكن المتخصصون والعلماء من كشف فوائد وإسهامات تلك المدارس في المصالح التركية عموما من خلال دراسات علمية بشكل أوضح وبتحديد أكثر.
وإذا سمحتم أود أن أبدأ حديثي في هذا الصدد بموقف تعرضت له شخصيا. فقد أصبت بدهشة بالمبلغ الذي دفعت عندما اشتريت لابني كتاب المقرر الدراسي في اللغة الإنجليزية. لا أتذكر الثمن بالضبط، لكنني أتذكر أن المبلغ الذي دفعته في ثلاثة أو خمسة كتب كان أكثر من 500 ليرة تركية. وقد اندهشت كثيرا كمواطن تركي وخبير اقتصادي، عندما فكرت في مقدار هامش الربح. ويمكن لنا أن نتخيل ونخمن أن كل من بريطانيا والولايات المتحدة تحققان أرباحا عالية جدا من وراء المستلزمات التعلمية ودورات تعليم اللغة الإنجليزية التي يتم إعدادها في إحدى الجامعات البريطانية.
وعلى الرغم من ارتفاع التكلفة إلا أن أولياء الأمور والطلاب راضون عن دفع تلك المبالغ. وإذا فرضنا أن اللغة الإنجليزية وصلت إلى مستوى اللغة الأولى في العالم، قبل 100 عام، فيمكننا أن نرى حجم الفائدة والإسهام الاقتصادي الكبير الذي يتحقق من ورائها. وإذا وضعنا صوب أعيننا القوة التي تتمتع بها اللغة الإنجليزية حاليا، فيمكننا أن نقول إن كلا من بريطانيا وأمريكا يمكنهما التمتع بثمار تدريس اللغة الإنجليزية لفترات طويلة جدا في المستقبل أيضا.
أرجوكم أن تلاحظوا معي أن تلك الدول تحصل على عوائد وأرباح كبيرة جدا من خلال فعاليات وأنشطة مشروعة وبريئة كتعليم اللغة فقط. لكن هناك شرطا أساسيا لتحقيق تلك الأهداف من وراء اللغة التي يعلموها، وهو أن يكون هناك طلب ورغبة شديدة لدى الناس ليتعلموا تلك اللغة.
وفي هذا الصدد يمكننا أن نرصد ثمار مجهودات وفعاليات المدارس التركية في المدى القريب من خلال مباريات أولمبياد اللغة التركية العالمية، لكن لايوجد أمامنا أية معطيات أو مشاهدات على نتائجها في المدى البعيد، إلا أن التجارب المسجلة في التاريخ تستوجب علينا أن نكون متفائلين حيال ذلك.
فيما سبق تناولت العائد الذي يدره تعليم اللغات بشكل مباشر على الاقتصاد، لكن لا يجب أن نغفل أن هذا ما هو إلا جزء صغير فقط لفوائد اللغة الإنجليزية. فبجانب النجاحات العلمية التي تحققها الجامعات المختلفة في كل من أمريكا، بريطانيا، أستراليا وكندا، تتمكن تلك الجامعات من ضم أفضل وأجود الأكاديميين في العالم إلى صفوف هيئات تدريسها لأن لغة التدريس فيها هي اللغة الإنجليزية. فمن ناحية فإن هذا يزيد من الجودة التعليمية في تلك الجامعات، ويساعدها في تحقيق فائدة حقيقية للدولة الواقعة بها، ومن ناحية أخرى يساهم في جذب الطلاب الناجحين والأذكياء والراضين والقادرين أيضا على دفع تلك المبالغ المالية العالية التي تطلبها تلك الجامعات، من جميع أنحاء العالم.
وكما يلاحظ فإن اللغة الإنجليزية تحقق، كونها لغة مفضلة، فوائد جمة في المدى القريب والبعيد لتلك الجامعات، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
وفي السنوات الأخيرة، شهدت تركيا إقبالا ملحوظا من الطلاب الأجانب القادمين من مختلف بلاد العالم. ومما لاشك فيه أن كلا من مراكز يونس أمره للغة التركية، ومؤسسة التعليم العالي التركية، ووكالة التنسيق والتعاون التركية، والمنح الدراسية التي تقدما الدولة التركية، وغيرها من المؤسسات والبرامج العامة تلعب دورا مهما في هذا الإقبال الملحوظ، الذي تشهده تركيا خلال السنوات الأخيرة.
وأنا من موقعي هذا، وبصفتي على تواصل مستمر، ولي علاقات قوية بالطلاب الوافدين إلى تركيا، أستطيع أن أقول إن المدارس التركية في تلك البلدان التي يأتي منها هؤلاء الطلاب، تلعب دورا غاية في الأهمية فيما يتعلق بزيادة الإهتمام بتركيا. فقد كان هناك تعاون وتنسيق وثيق بين تلك المدارس التركية في الخارج ومؤسسات الدولة التركية في الداخل من أجل إسكان وتسجيل الطلاب الوافدين، حتى فترة قريبة.
وعليّ أن أوضح أن هذا سهَّل رسم الطريق أمام الطلاب الوافدين حول مستقبلهم، وكان بمثابة خطوة لوضع تركيا على خط السير لتصبح مركزا للدراسة الجامعية في المديين القريب والمتوسط.
وإذا نظرنا إلى واقع الأمر، سنجد أنني تحدثت وتناولت التأثيرات والإسهامات التي تحققها تلك المدارس على المدى القريب وبشكل مباشر. لكن الفوائد غير المباشرة التي تحققها تلك المدارس قد تكون أكثر أهمية، من الفوائد المباشرة. فهؤلاء الأشخاص الذين بدأوا حياتهم الدراسية في المدارس التركية في بلادهم سيجدون في أنفسهم تعاطفا وألفة تجاه الثقافة التركية، وسيكتسبون معرفة بالحياة الاقتصادية والاجتماعية في تركيا أثنا دراستهم الجامعية فيها، وسيساهمون فيما بعد في أعمال وأنشطة لصالح تركيا. وإذا وجدوا أنفسهم في موضع يجب عليهم أن يختاروا تركيا أو دولة ثالثة أخرى سيختارون في أغلب الأحيان تركيا التي يعرفونها ويتعاطفون معها.
وبطبيعة الحال لابد من أن أشير إلى أن هؤلاء الأشخاص سيقدمون مصلحة بلادهم على مصالح تركيا وذلك أمر طبيعي. فمثلما نرى أن أبناءنا الطلاب الذين يتخرجون من المدارس الألمانية، يقدمون مصالح بلدهم الأم -تركيا- على مصالح ألمانيا؛ فعلى سبيل المثال الطلاب الكينيون الذين يتلقون تعليمهم في المدارس التركية، سيقدمون مصالح وطنهم على مصالح تركيا. لكنهم سيفضلون تركيا إذا وجب عليهم أن يختاروا تركيا أو دولة ثالثة أخرى غير بلدهم. كما أن أحد أبنائنا الأتراك الذين يتلقون تعليمهم في إحدى المدارس الألمانية، إذا خير بين ألمانيا وفرنسا فسوف يرجح ألمانيا. وسيكون هذا المثال صالحا لتطبيقه أيضًا على الطلاب الأجانب الذين يدرسون في المدارس التركية في الخارج.
وأرى من أهم الفوائد التي تسهم بها تلك المدارس التركية في الخارج هي أنها تمثل استثمارا في رأس المال البشري لتركيا. وكما هو متعارف عليه فإن تلك المدارس التركية التي تقدم خدماتها خارج حدود الوطن، تضم عددا كبيرا من الأتراك بين صفوفها وطاقمها. وفي الأغلب فإن هؤلاء قد تخرجوا في جامعات من أفضل الجامعات التركية. وهم أناس شغوفون بالتعلم والإطلاع على كل ما هو جديد، بالإضافة إلى رغبتهم الجامحة لخدمة الإنسانية والأمة التركية. وعندما ينطلقون في البلدان التي يذهبون إليها ويختلطون بالمجتمع المحيط بهم، يتعلمون أشياء جديدة، بطريقة لا إرادية. ويجدون أنفسهم أمام طرق وأنظمة تعليمية جديدة ومختلفة. وهذه الخبرات المكتسبة لا تقتصر فقط على الجوانب التعليمية، وإنما قد تصل إلى مختلف جوانب الحياة مثل المجالات الصحية والتجارة والتواصل.. وغيرها، بل حتى في الطرق والوسائل التي تتبع وتستخدم في تلك المجتمعات في حل المشكلات. فمن ناحية يستطيعون أن ينموا ويطورا أنفسهم، وفي الوقت نفسه يحصلون على خبرات وفرص للمقارنة بين المجتمعات. بالإضافة إلى مايكتسبونه من مهارات وقدرات كبيرة من المعلومات جراء علمهم بالأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية المختلفة والمتنوعة بسبب انتقالهم من بلدة إلى أخرى كل بضع سنين لتغيير وتجديد حياتهم وظروف عملهم. ولذلك يمكن لهم وضع أي نموذج ناجح رأوه في أي مكان حول العالم في تجاربهم وإدخاله حيز التنفيذ إذا وجدوا حاجة إليه في أي وقت. والدولة التي ستستفيد كثيرا من تلك الخبرات والتجارب ستكون تركيا. وخبراء التنمية الاقتصادية يرون أن مهارة صنع وتنفيذ الابتكار، تعتبر عنصرا مهما جدا في تنمية وتقدم المجتمعات. بيد أن مرحلة صنع وتنفيذ الابتكار أحد أهم خطوات التعلم عن طريق التجربة والمراقبة. لذلك يجب على المجتمعات أن تنفتح على الخارج. فمن المؤكد أن هناك فائدة وراء الانفتاح على المجتمعات الأخرى، والتجارة معها، والدخول في استثمارات مع تلك الدول، وارسال المواطنين إلى تلك البلدان للعمل أو الدراسة فيها، من أجل آليات نقل وتبادل المعلومات والخبرات. فمتطوعو حركة الخدمة المنتشرون في جميع أنحاء المعمورة قطعوا شوطا كبيرا في تطبيق مرحلة مهمة جدا في الانفتاح على الخارج. فهؤلاء المتطوعون الذين يتعلمون مهارات جديدة ويكتسبون خبرات ومعارف جديدة في مختلف مجالات الحياة في ربوع العالم، سينقلون خبراتهم ومهاراتهم إلى تركيا، وسيحققون إسهامات كبيرة في خدمة تركيا على المدى البعيد.
وفي نهاية هذا المقال أود أن أشير إلى النقطة التي بدأت حديثي بها. فهؤلاء الأشخاص الذين يؤسسون المدارس التركية في الخارج أو القائمون على شؤونها، إن هدفهم الأساسي هو محاربة الجهل والتفرقة والتمييز، في خدمة الإنسان والإنسانية. ويمكن القول بأنهم يتمنون ويأملون مكافأة وثوابا من الله بإدخالهم جنته في دار الآخره. ولكن لا يعني كون هؤلاء المتطوعين لاينتظرون شيئا في الدنيا لأنفسهم أو لبلدهم تركيا من الناس أو البلاد التي يقدمون إليها هذه الخدمات، أن تلك الخدمات لن تعود بفوائد ومصالح على تركيا. ومع ذلك، فإن ما سردت من فوائد جمة ومنافع تدرها تلك المدارس على كلا الطرفين ( تركيا والبلاد التي تتواجد فيها المدارس)، لهو أفضل برهان على أنها ليست ساندة أو داعمة للاستعمار والتبشير كما نرى أمثالها في التاريخ.

















