بقلم: محمد برانصو
لقد نفّذوا أكبر حملة لمكافحة الفساد في تاريخ تركيا وأظهروا للشعب كيف أن بعض الأشخاص والمسؤلين المسندة إليهم أمانة إدارة هذا البلد غرقوا في مستنقع الفساد حتى أخمص قدميهم.
خزائن مليئة بالنقود، ودولارات لا تجد متسعًا لها في صناديق الأحذية…
إن الكاشفين عن الفاسدين لم يرعووا، ولم يتخاذلوا ولم يتراجعوا، بل قالوا “لو خشينا اللصّ لما أصبحنا رجال شرطة”.
لقد كشفوا لنا القناع عن الوجه الحقيقي للأشخاص الزاعمين أنهم “متدينون”.
لقد نُقشت في الذاكرة عبارة لأحد الوزراء: “لو وددت لتمددت أمامك يا رضا” (رضا ضراب رجل الأعمال التركي ذو الإيراني المتورّط في الفساد).
أموال كان يجب إخفاؤها من بيت رئيس الوزراء، وساعات يد يقدر ثمنها بـ700 ألف ليرة وبقشيش (إكراميات) مكدس في علب الشوكولاتة، وغيرها.. كل ذلك أصبح يحمل اسم “هدايا” في نظر النائب العام الذي أغلق التحقيقات المتعلقة بالقضية.
ماذا قال رضا ضراب الإيراني: “يجب دفع بقشيش الموظف والعاهرة سلفًا”.
وبالفعل دفعه سلفًا ومقدمًا.
لم يدم حبسه طويلاً، وقد تم الإفراج عنه تحت قرع الطبول وصوت المزامير، ولم يكفِ هذا الأمر، إنما عمد الإعلام الموالي للحكومة إلى إجراء حوار معه واضعين العلم التركي أمامه، وقد شرح لهم كيف تمكّن من سداد العجز التجاري لتركيا.
ذلك العلم كان اصطبغ بدم الشهيد في حرب جناق قلعة وفي حروب النضال الوطني من قبل أناس يتامى كانوا يرتدون الصنادل بأقدامهم ولم ينحنوا أمام أحد ولم يمضغوا في أفواههم لقمة من مال حرام.
أما الذين يظنون أنهم يحمون “شرف العلم التركي برفعه عن الأرض بعد سقوطه عليها” فلم يفهموا هذا الموقف المحزن وما كان لهم أن يفهموه أصلاً.
لقد زعموا: “هم يخططون للانقلاب علينا ويرسمون الحملات ضدنا”.
ولكن….
رغم كل شيء لم يتسطيعوا أن يُنسوا الرأي العام تحقيقات الفساد، فقد تمكن بضعة من أفراد الشرطة “لايقام لهم وزن” من تسجيل بعض الشخصيات في التاريخ بصفتهم “لصوصًا”.
لذا كان الانتقام منهم واجبًا.
فانطلقوا وضغطوا على الزناد، وشنّوا حملات أمنية ضد “الشرطة” في وقت السحور في 22 يوليو/ تموز الماضي.
انتهت فترة الاحتجاز، وحار النواب العموم والقضاة في القصر العدلي فيما يفعلون، فقد جاءتهم أوامر من أنقرة بتمديد الاحتجاز دون أي سند قانوني، لذا أمضى رجال الشرطة العيد في غرف الاحتجاز وبنفس المكان أيضًا أدّوا صلاة العيد.
وبادر البعض إلى الاستهزاء حتى بصلاتهم تلك، وحتى البعض من نواب حزب العدالة والتنمية سخروا منهم قائلين: “إنهم كبَّروا قبل الإمام”. فيا ترى هل أدّى هؤلاء المستهزئون صلاة العيد في حياتهم وهل يعرفون كيف تصلّى صلاة العيد وكم عدد تكبيراتها؟! فقد ظهر فعلاً أن بعضاً منهم لا يعرفون عدد التكبيرات، مع زعمهم أنهم “متديّنون”، الأمر الذي دفع الشعب إلى الضحك على حالهم المبكي.
وبعد ذلك صدرت أوامر باعتقالات غير قانونية،.. فهل تساءلتم لمَ أقدمتُ على كتابة قصة معروفة لديكم؟.. قبل يوم أفرج عن شرطي من سجن “سيلفري” بشكل صامت، وهذا الإفراج يعتبر الخامس من نوعه. وهو كان يعمل سائقًا في مديرية الأمن، وقد احتجز في 22 يوليو/ تموز بتهمة التنصت غير المشروع. ومع أنه قال للسلطات “أنا سائق وما شأني وعلاقتي بالتنصت”.. لكن صوته لم يطَلْ أحداً ولم يحدث أي تأثير إيجابي. فلم يكن يدري أن هناك العديد من الشخصيات الغامضة والمشبوهة قد أدرجت اسمه في “قائمة الأسماء الواجب اعتقالهم”، كما سجّلت عدسات الكاميرات شخصاً “غامضاً” يدعى “إسماعيل” وهو يخرج من غرفة القاضي في قصر إسطنبول العدلي.
أما سبب إدراجه في تلك القائمة فهو الدعاء الذي قرأه عقب الطعام في غرفة الاحتجاز، فمقولته الشهيرة “لتحيا هذه الأمة، وليمتْ من يأكل الحرام”، قد أغضبت المقيمين في أنقرة، فأمروا باعتقاله.
وكما قلت؛ فإن الملف ينحلّ وينهار شيئًا فشيئًا، فهناك شخص انضمّ إلى السلك الشرطي في عام 2010 اعتقل بدعوى تنصت غير مشروع جرى في عام 2009، وشرطي آخر أُقيل من عمله في عام 2012 اعتقل بتهمة التنصت في عام 2013، وهناك المئات من الأمثلة المشابهة.
فهل تسألون لماذا صغتُ هذه الجمل الطويلة؟ لأن النائب العام لم يستطع بأي شكل من الأشكال كتابة لائحة الاتهام المتعلقة بأفراد الشرطة المتهمين، وذلك بسبب المشاكل التي تملأ القوائم التي سلّمها شخصيات غامضة مشبوهة مثل “إسماعيل”. فكما حدث قبل يومين، بدأوا يخلون سبيل أفراد الشرطة بكل هدوء ودن لفت أنظار الرأي العام سعياً لتصحيح أخطائهم. وتبيّن أن أن النائب العام، وكذلك القاضي، غافلان عما يحتويه هذا الملف، لذا يسعون جاهدين لإيجاد مخرج من هذا المأزق الذي أوقعهم فيه المتورطون في ممارسات الفساد.
فهل يمكن الخروج من هذا المأزق بهذه الطريقة؟ لا يبدو ممكناً.
بل ستشاهدون الجلبة والضجة الكبرى عندما سيعدّ النائب العام لائحة الاتهام
بالله عليك يا إسماعيل…! فالقائمون على قصر إسطنبول العدلي في وضع محرج!

















