أونال طانيك
لاشك في أن الحوار الذي أجرته جانسو تشامبيل الكاتبة بصحيفة “حرييت” التركية مع خلوق دينتشر رئيس جمعية الصناعيين ورجال الأعمال الأتراك (توسياد – TÜSİAD) في 29 ديسمبر/ كانون الأول الماضي سيثار حوله الكثير من النقاشات والجدل في مختلف الأوساط. فالذين اقتبسوا الحوار يوم نشره ركّـزوا بشدةٍ على موضوع فتح الله كولن والجماعة (حركة الخدمة) الوارد في معرض الحوار. بيد أن ما أدلى به دينتشر كان يحمل في طياته أشياء كثيرة أخرى لم تُذكر لكنها تستحق إمعان الفكر والوقوف عليها قليلا. كان دينتشر -رئيس أكبر تجمع لرجال الأعمال في تركيا¬- يفسر مفهوم “الديمقراطية” ويقول إنه حدد موقفه إنطلاقا من تفسيره ذلك. إذ يؤكد أن الديمقراطية هي شكل إداري يتم تنفيذه من قِبَل الحكومات المنتخبة عبر صناديق الاقتراع، وأن الحكومة في نظام ديمقراطي لايمكن لها أن تنتهك الحقوق والحريات الأساسية مهما كان ما تملكه من دعم واسع من الشعب.
وثمة نقطة أخرى لفت دينتشر الانتباه إليها هي الضمان الديمقراطي والحقوق والحريات الأساسية لذلك داخل مؤسسات المجتمع المدني القوية التي تدير فعالياتها بصورة مستقلة عن الدولة.
وبالرغم من ذلك كله قمتُ بمشاركة رأيي بأن النقاش سيدور حول عبارة “المخاطب” في الحوار بعد قراءته مباشرة في حساباتي عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ولفتُّ الانتباه إلى أن كلمة دينتشر هذه قد تغضب رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان كثيرًا عندما سُئل دينتشر: “كيف ترى علاقة جمعية توسياد بأردوغان؟” وأجاب بأن “رئيس الجمهورية هو رأس الدولة وليس رئيس الجمهورية هو الجهة المخاطبة رسميا للجمعية أصلا بل المخاطب الرسمي بالنسبة للجمعية هو رئيس الوزراء”.
وتأكدت أنني لم أكن مخطئا فيما كنت أتصوره إذ اتضح لي ذلك من تصريحات أردوغان الواردة في الصحف في اليوم التالي لذلك التصريح. وكالعادة أبدى أردوغان موقفه الغاضب قائلا: “ما دمت لستُ المخاطب لهم فليجدوا إذن مخاطبا أخر ليلبي دعواتهم المقبلة”.
ولعل دينتشر كان يقصد من أن “مخاطبنا هو رئيس الوزراء” أنه يعتقد أن الدولة تُدار بديمقراطية على غرار الدول الغربية التعددية ويهدف إلى أن تكون سلطة رئاسة الجمهورية خارج النقاش.
بيد أن الأمر الذي لا يعلمه البعض هو أن تركيا تُدار منذ الكشف عن أعمال الفساد في 17 ديسمبر/ كانون الأول 2013 وحتى الآن من قِبَل نظام رئاسي كالذي في أمريكا الوسطى. والسيد أردوغان كان يدير “تشانكايا” –حيث قصر رئاسة الجمهورية السابق- من كرسي رئاسة الوزراء حتى 10 أغسطس/ آب الماضي (انتخابات رئاسة الجمهورية) ومنذ ذلك التاريخ إلى الآن أيضًا يقوم سيادته بإدارة كل من رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء من منصبه في “بيش تبه” حيث القصر الجمهوري الجديد “القصر الأبيض” بالعاصمة أنقرة.
وعقب ردة فعل أردوغان الغاضبة “فليجدوا مخاطبا لهم…” تبيّن أنه قد تحدث مشكلة في المشاركة من ناحية كبار رجال الدولة في اجتماع الجمعية العمومية لتوسياد المقرر عقده في 22 يناير/ كانون الثاني الجاري. واتضح كذلك –عقب كلمة أردوغان- أن رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو أيضا لن يستطيع المشاركة في اجتماع الجمعية العمومية حتى ولو أراد في نفسه أن يستجيب لتلك الدعوة.
وفي الحقيقة أن هذا الوضع لا يختلف كثيرا عن ما حدث في الذكرى السنوية للمرة 146 لتأسيس مجلس الدولة في 10 مايو/ آيار الماضي إذ كان ثمة موقف مشابه -إلى حد كبير- إذ أبدى أردوغان (رئيس الوزراء آنذاك) ردة فعل شديدة وغضب من الكلمة الافتتاحية التي ألقاها متين فايزي أوغلو رئيس اتحاد نقابة المحامين وقال أردوغان لعبد الله جول رئيس الجمهورية وقتها: “هيا بنا يا عبد الله لنغادر هذا المكان” وهناك شبه كبير بين كلامه ذاك وما قاله هذه المرة مخاطبا جمعية توسياد “فليجدوا مخاطبا ليحضر دعواتهم”.
غير أن الأمر الذي يدعو إلى الدهشة والغرابة في سجال مسألة توسياد هو موقف داود أوغلو ذلك الجالس على كرسي رئاسة الوزراء. فمن المؤكد أن يكون قد خشي من غضب أردوغان في حالة تأخره عن التصريح بما يوافقه الرأي إذ صرّح هو الآخر في نفس اليوم بقوله “أنا أيضًا لن أحضر اجتماع توسياد”.
لكن دينتشر وضع سلطة رئاسة الجمهورية خارج الموضوع تماما وأعلن أن رئيس الوزراء هو مخاطبهم لكونه رئيس السلطة التنفيذية. وهذا يعني في الوقت ذاته أنها فرصة سنحت لداود أوغلو للرد على الادعاءات والأقوال التي تقول إنه مجرد “مؤتمن على المنصب الذي يشغله حاليا” أو هو “صوت صاحبه” في إشارة إلى أنه يفعل كل ما يطلبه أردوغان وأنه ليست لديه كلمة مسموعة.
أما تصريحات نعمان كورتولموش الذي عُين في منصب نائب رئيس الوزراء ليبدو وكأنه يدافع عن داود أوغلو فهي مصيبة كبيرة وتعاسة حقيقية. إذ أظهر كورتولموش أنه لديه قدرة فذة على فعل أي شيء من أجل الوصول إلى المنصب الذي يريد الوصول إليه ولو كان ذلك يوجب عليه إظهار الأبيض أسود والأسود أبيض وأنه يمتلك أداءً يفوق بكثير قوله السابق عن العدالة والتنمية (عندما كان رئيس حزب صوت الشعب المعارض لحزب العدالة والتنمية) بأنهم “كانوا مثل ”هارون” وتحولوا بعد تولي الحكم إلى ”قارون””.
كما أن أولئك الذين يصفون كلمة دينتشر بقولهم: “لم نفهم ذلك- أي عبارة رئيس الجمهورية ليس مخاطبنا- وهي عبارة عبثية وليس لها معنى لأنها لا تخدم أية مصالح ولاتحمي بأي شكل من الأشكال مصالح جمعية توسياد ولاتقدم أية إسهامات لمضمون النظام الديمقراطي في تركيا” تعليقا على كلمته التي قال فيها إن رئيس الوزراء هو المخاطب تذكيرًا بالنظام البرلماني المعمول به في تركيا حاليا فلاشك في أن أقوال هؤلاء تظهر أن الدولة لاتسير في طريق السلامة.
وأعتقد أنه ليست ثمة ضرورة لأي تعليق على كلمة فكري إيشيك الوزير الذي يتمتع بحس قوي (لأنه قال إنه أحس بأن التسجيلات الصوتية لأردوغان وابنه بلال المتعلقة بنقل الأموال من بيته مفبركة بمجرد سماعه مرة واحدة) إذ قال: “لا يحق لأحد أن يقول إن رئيس جمهورية تركيا المنتخب من قبل الشعب ليس مخاطبهم”.
والذين كانوا يعارضوا بالأمس رئيس الجمهورية السابق عبد الله جول بمجرد أن يبدي رأيه في موضوع ما ويقولون “إن توحيد الكلمة هو الأساس في إدارة الدولة” يجيزون اليوم كل شيئ لرئاسة الجمهورية.
يا أيها السادة! إن النظام في تركيا لم يتغير فتركيا لاتزال تُدار بنظام برلماني. إن تركيا قد تمنح وقتا لأصحاب عقلية تنتهك مبدأ الفصل بين السلطات ومنحت لهم الوقت الكافي في الواقع. وكل ذلك من أجل جمع المعلومات والوثائق قدر المستطاع.. وعندما يحين وقت المحاسبة ستحاسبهم على كل ما بدر منهم.. وهي ما زالت قادرة على مساءلة كل من يخطئ في حقها.

















