أنقرة (زمان التركية)- في بلدة “سانيرجاك” (Sanirajak) الكندية النائية، حيث تلتهم البرودة كل شيء ولا يكسر بياض الجليد سوى صخور صماء، اختارت عائلة “تشاربان” التركية أن تؤسس وطناً جديداً في أكثر بقاع الأرض قسوة.
هناك، في “صحراء الجليد” حيث لا وجود للتراب، وحيث تُرى الدببة القطبية تتجول في الشوارع كما تتجول القطط في مدننا، تعيش هذه العائلة المكونة من الأب والأم وولدين، ليعملوا كفريق تعليمي متكامل في مدرسة البلدة الوحيدة، مقدمين نموذجاً فريداً لجيل من المعلمين “المغامرين” الذين يبنون الجسور الثقافية في أصعب الظروف.
رحلة الشتات: من دفء المتوسط إلى صقيع “نونافوت”
قصة الأب إركان تشاربان ليست مجرد قصة انتقال وظيفي، بل هي رحلة بقاء بدأت من مدينة “نازيلي” التركية عام 1970.
تخرج إركان من قسم الرياضيات بجامعة مرمرة عام 1993، ومنذ تلك اللحظة، لم تهدأ بوصلته.
انطلق أولاً إلى تترستان في روسيا الاتحادية، حيث قضى 16 عاماً في التدريس وتأسيس عائلة، ثم انتقل إلى بنغلاديش ليقضي فيها 9 سنوات أخرى.
إلا أن الرياح السياسية في تركيا بعد عام 2016 قلبت موازين حياته، مما اضطره للجوء إلى كندا.
هناك، لم يستسلم إركان للواقع الجديد؛ عمل في كل شيء، من وظائف بسيطة إلى مكاتب الضرائب، بينما كان يدرس ليل نهار للحصول على التراخيص الكندية لمزاولة التدريس.
وبعد رحلة بحث مضنية، جاءه القبول من مقاطعة “نونافوت” في القطب الشمالي، ليشد الرحال برفقة ابنه “أكرم” في رحلة جوية استغرقت 20 ساعة، حاملين معهما 1.5 طن من المؤن والمعدات لبدء حياة جديدة فوق الجليد.

كسر الجليد بـ “شوربة العدس” و”المنمن”
في “سانيرجاك”، التي يسكنها نحو 1000 نسمة من شعب “الإنويت” (الذين كان يطلق عليهم “الإسكيمو”)، واجهت العائلة في البداية نظرات التشكك.
السكان المحليون اعتادوا على قدوم معلمين من الجنوب يرحلون مع انتهاء السنة الأولى بسبب قسوة المناخ. لكن إركان، بخبرته الطويلة في روسيا وبنغلاديش، عرف كيف يكسب القلوب.
في أول اجتماع للمدرسين، قال إركان بلهجة واثقة: “لقد طُردت من بلاد كثيرة، والآن أنا هنا، ولن أرحل إلا إذا طردتموني أنتم”.
هذه العزيمة، مضافاً إليها كرم الضيافة التركي، غيّرت المعادلة. أصبحت رائحة “شوربة العدس” و”المنمن” (الشكشوكة التركية) والزيتون التركي تجذب الجيران والزملاء، حتى أن مدير المدرسة وزوجته باتوا ضيوفاً دائمين على مائدة العائلة، ووصل الأمر بمتجر البلدة الوحيد إلى استيراد لحوم “حلال” خصيصاً لهذه العائلة التركية تقديراً لاندماجهم.

يوميات القطب: صراع المواعيد والدببة القطبية
يروي الابن أكرم تشاربان تفاصيل مذهلة عن الحياة اليومية في البلدة. ففي الشتاء، يختفي النهار تماماً لمدة شهرين (ديسمبر ويناير)، وتصبح مواقيت الصلاة تحدياً حقيقياً؛ حيث يزحف وقت المغرب من التاسعة ليلاً ليصل إلى الثانية ظهراً في غضون أسابيع قليلة.
أما عن الأمان، فإن الخطر لا يأتي من البشر، بل من الطبيعة.
يتحدث أكرم عن صدمته عندما سأل زوجة مدير المدرسة: “ماذا أفعل إذا واجهت دباً قطبياً؟”، فأجابت بكل هدوء: “اقتله”.
اكتشف أكرم أن السلاح قطعة أساسية في كل منزل في الشمال، ليس للجريمة، بل للدفاع ضد وحوش الطبيعة التي قد تقتحم الشوارع في أي لحظة.

ثقافة الطعام: لماذا يأكلون جلد الحوت؟
يسلط المقال الضوء على عادات شعب الإنويت الفريدة. فبسبب ندرة الوقود قديماً، اعتاد السكان أكل اللحوم نيئة أو مجمدة، وهي ممارسة ترفع حرارة الجسم بسرعة.
تناول أكرم وعائلته “المقطا” (Maktak)، وهو جلد الحوت مع طبقة رقيقة من الشحم، واكتشفوا أن السكان يأكلون الجلد فقط ويتركون اللحم للكلاب، في تقليد يعود لزمن كانت فيه كلاب الزلاجات هي وسيلة النقل الوحيدة التي تحتاج لقوة هائلة.
مدرسة لكل الأعمار ومأساة اجتماعية صامتة
في “سانيرجاك”، توجد مدرسة واحدة فقط تضم الجميع من الحضانة حتى الثانوية. هناك، يواجه المعلمون واقعاً اجتماعياً معقداً؛ حيث تنتشر الأمومة المبكرة بشكل كبير.
يروي إركان بذهول كيف تقابل مع طالبات في الثانوية لديهن طفلين أو ثلاثة، وكيف قامت إحدى طالباته بإحضار طفلتها من الحضانة لتعرفها عليه في الفصل.
لكن القصص الإنسانية الأكثر تأثيراً تظل خلف الأبواب المغلقة.
يحكي أكرم عن طالب دعاه للعشاء، فانفجر بالبكاء وسط المائدة، ليس بسبب حرارة التوابل، بل لأنه ولأول مرة في حياته شعر بأنه “إنسان مقبول ومحبوب” ضمن جو عائلي دافئ، وهو ما يفتقده الكثير من شباب القطب بسبب التفكك الأسري الناتج عن التحولات الثقافية السريعة.

زراعة الأمل في أرض لا تنبت الزرع
لا تهدف عائلة تشاربان فقط إلى تدريس الرياضيات والإنجليزي، بل يسعى إركان لإلهام طلابه بأن هناك عالماً واسعاً وفرصاً تنتظرهم، محاولاً دفعهم نحو الجامعات والكليات.
إنهم لا يعيشون هناك كغرباء، بل كجزء من النسيج، يواجهون الصقيع بقلوب دافئة، ويثبتون أن رسالة المعلم لا تحدها حدود جغرافية ولا تمنعها ثلوج القطب.








