أنقرة (زمان التركية) – توصلت الإدارة السورية وقوات سوريا الديمقراطية إلى اتفاق لوقفٍ عاجلٍ لإطلاق النار مساء أمس الأحد، عقب مواجهات متواصلة أسفرت عن إضعاف موقف قوات سوريا الديمقراطية بشكل كبير، بعد فقدانها الوجود الاستراتيجي ومساحات واسعة من الأراضي التي كانت تسيطر عليها.
ولا يُعد هذا الاتفاق خطوة فريدة من نوعها، إذ سبق أن وقّعت دمشق وقوات سوريا الديمقراطية اتفاقيات مماثلة، غير أن العنصر المختلف في الاتفاق الأخير يتمثل في توقيته وظروفه الميدانية.
وجاء الاتفاق، المؤلف من 14 بندًا، والذي أعلنت عنه وزارة الإعلام السورية مساء أمس، عقب تقدم سريع استمر ليومين في مناطق ذات غالبية عربية كانت تخضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية منذ سنوات. وقد بسطت الدولة السورية سيطرتها على مناطق واسعة في شمال وشرق البلاد، بما في ذلك السيطرة على أكبر حقل نفطي في سوريا خلال ساعات مبكرة من يوم أمس.
ويرى محللون أن هذا التحول الميداني أضعف قوات سوريا الديمقراطية سياسيًّا واقتصاديًّا قبيل انطلاق جولة جديدة من المباحثات. وبموجب الاتفاق، قبلت قوات سوريا الديمقراطية تسليمًا سريعًا لمدينتي الرقة شمالاً ودير الزور جنوبًا، إداريًّا وعسكريًّا، إلى النظام السوري.
ويبرز التناقض بين هذا الاتفاق والاتفاقيات السابقة بشكل واضح لدى المتابعين للمباحثات عن كثب.
تراجع قوات سوريا الديمقراطية
في مطلع العام الجاري، رفضت قوات سوريا الديمقراطية مقترحًا يقضي بالسيطرة المشتركة على المعابر الحدودية وتوحيد ثلاث مناطق تشمل الحسكة ودير الزور والرقة. إلا أن موازين القوى تغيّرت جذريًّا بموجب الاتفاق الجديد، حيث ستُسلم قوات سوريا الديمقراطية السيطرة الكاملة على المعابر الحدودية للنظام السوري، وسيلتحق مقاتلوها بصفوف الجيش السوري بشكل فردي، وليس ضمن وحدات نظامية.
كما ستنتقل مؤسسات الدولة في مناطق شمال شرق سوريا الخاضعة سابقًا لقوات سوريا الديمقراطية إلى سلطة الحكومة المركزية. ويعكس البند الرابع من الاتفاق بوضوح اختلال موازين القوى، إذ ينص على سيطرة الحكومة السورية على جميع المعابر الحدودية في المنطقة، إضافة إلى آبار النفط والغاز، عبر قوات نظامية، بما يضمن عودة الموارد إلى الدولة، مع الأخذ في الاعتبار الوضع الخاص للمناطق الكردية.
وتضمن الاتفاق أيضًا بحث المخاوف الدولية المتعلقة بسجناء تنظيم داعش الإرهابي المحتجزين لدى قوات سوريا الديمقراطية، على أن تتولى دمشق المسؤولية الأمنية والقانونية الكاملة عنهم، ومواصلة العمليات العسكرية ضد عناصر التنظيم المتبقية.
ويؤكد عمرو أوزكيليزك، الباحث في مركز أتلانتيك، أن شروط الاتفاق بدت مألوفة بشكل صادم. وقال في تصريحات لموقع “ميدل إيست آي” إن الاتفاق يُعد تكرارًا إلى حد كبير لما عرضته أنقرة ودمشق على قوات سوريا الديمقراطية قبل نحو عام، بوصفه “غصن زيتون” لتفادي التصعيد وحل الخلافات بالطرق السلمية.
وكانت قوات سوريا الديمقراطية قد قبلت في مارس/آذار الماضي، من حيث المبدأ، اندماج كياناتها المدنية والعسكرية في الدولة السورية. وأثار هذا الإعلان حينها احتفالات في عدد من المدن، وأيقظ آمالاً لدى العديد من الأكراد بإمكانية تحقيق اعتراف متساوٍ بالجنسية والحقوق الدستورية، غير أن العملية تعثرت لاحقًا مع تراجع قوات سوريا الديمقراطية عن تنفيذ الاتفاق بشكل واسع.
استعادة دمشق زمام المبادرة
وكان وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، قد حذّر في ديسمبر/كانون الأول الماضي من تنسيق قوات سوريا الديمقراطية مع إسرائيل لعرقلة الاستقرار في سوريا. ويوضح أوزكيليزك أن قوات سوريا الديمقراطية قبلت المقترح التركي -السوري سابقًا- دون تطبيقه، لكنها الآن وافقت على المقترح ذاته بعد تغيّر الظروف.
ويُعد أحد البنود اللافتة في الاتفاق اشتراط مغادرة العناصر المرتبطة بتنظيم العمال الكردستاني، المصنّف تنظيمًا إرهابيًّا من قبل تركيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، للأراضي السورية. وبموجب الاتفاق، سيلتحق العناصر المتبقون من قوات سوريا الديمقراطية بصفوف قوات الدولة بشكل فردي، عقب إخضاعهم للمراجعات الأمنية اللازمة وتسوية رتبهم العسكرية ومزاياهم المالية ومتطلباتهم اللوجستية.
وأكد المحلل السوري فاضل خانجي، في تصريحات لموقع “ميدل إيست آي”، أن الاتفاق “أكثر وضوحًا”، وأن دمشق تطبق عمليًّا اتفاق العاشر من مارس/آذار، مع ترك مساحة أقل لقوات سوريا الديمقراطية للمناورة، مشيرًا إلى أن “الأهم هو توصيف شكل الاندماج الفردي الذي سبق أن رفضته قوات سوريا الديمقراطية قبل العملية العسكرية. فاليد العليا اليوم لدمشق، التي تسعى لتحويل النجاح العسكري إلى مكسب سياسي، والاتفاق يهدف إلى تحقيق ذلك بشكل كامل”.
ضربة لزعيم قوات سوريا الديمقراطية
على الصعيد الشخصي، تبدو النتائج صادمة أيضًا. إذ يؤكد أوزكيليزك أن الفارق الوحيد بين الاتفاق الحالي والسابق يتمثل في تعيين مظلوم عبدي محافظًا لمدينة الحسكة. وكانت قد ترددت سابقًا أحاديث عن سعي عبدي لتولي مناصب قومية بارزة، غير أن أوزكيليزك يشير إلى أنه سيعمل في نهاية المطاف كأحد المحافظين ضمن الدولة السورية، تابعًا في هذا المنصب لوزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني.
ويعكس انسحاب قوات سوريا الديمقراطية هشاشة أعمق، تتمثل في تآكل الدعم الشعبي لها، إذ دعمت العشائر العربية المقيمة في مناطق سيطرتها، والمتضررة من العقوبات الاقتصادية المحدودة، تقدم قوات النظام السوري. وكانت الإدارة السورية قد كثّفت تواصلها مع هذه العشائر منذ أشهر، ما مهّد لانهيار معظم الدعم العربي المؤقت الذي حظيت به قوات سوريا الديمقراطية، بالتزامن مع التقدمات العسكرية الأخيرة.
ويرى أوزكيليزك أن النتيجة تمثلت في “كشف الهشاشة الفعلية لقوات سوريا الديمقراطية”، ودفعها إلى التعامل بواقعية أكبر، والتخلي عن مطالبها المبالغ فيها وأهدافها المتعلقة بالسيطرة على نفط وغاز سوريا.
وبالنسبة لأنقرة، تُعد هذه النتيجة حاسمة تجاه التنظيم الذي تعتبره تهديدًا لأمنها القومي منذ فترة طويلة. ووصف جوكهان تشينكارا، مدير مركز الدراسات العالمية والإقليمية (نيو سام)، وقف إطلاق النار بأنه “خطوة مهمة نحو وحدة أراضي سوريا”، مشيرًا إلى تفاهم إقليمي أوسع يضم تركيا والولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، ومؤكدًا أن قوات سوريا الديمقراطية تراجعت، من وجهة نظر أنقرة، كتهديد أمني على المدى البعيد.



















