أنقرة (زمان التركية)- سجلت أسعار الذهب قفزة تاريخية بوصول سعر الأونصة إلى ما فوق 5 آلاف دولار للمرة الأولى عالميًّا، ليواصل المعدن النفيس رحلة صعوده الجامحة في عام 2026، بعد أن حقق مكاسب تجاوزت 60% خلال عام 2025.
ويأتي هذا الارتفاع القياسي مدفوعًا بموجة من التوترات الجيوسياسية والاقتصادية التي عصفت بالأسواق العالمية.
وتسببت حالة الشد والجذب بين الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) بشأن قضية “جرينلاند” في زيادة مخاوف المستثمرين من عدم الاستقرار المالي والسياسي.
وزاد من حدة هذه المخاوف السياسات التجارية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ حيث هدد في 24 يناير بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على كندا في حال توقيع اتفاق تجاري مع الصين، مما دفع المستثمرين للهروب نحو “الملاذات الآمنة”.
ولم يكن الذهب وحيدًا في هذا السباق، فقد كسر الفضة أيضًا حاجز الـ 100 دولار للأونصة لأول مرة في 24 يناير، ليعزز مكاسبه التي بلغت 150% العام الماضي، ويؤكد أن المعادن الثمينة هي الخيار الأول في أوقات الشك واليقين.
وتتضافر عدة عوامل اقتصادية لدعم هذا الارتفاع، أبرزها معدلات التضخم المرتفعة وضعف الدولار الأمريكي، بالإضافة إلى استمرار البنوك المركزية حول العالم في شراء الذهب لتعزيز احتياطياتها.
كما تترقب الأسواق قيام البنك المركزي الأمريكي بخفض أسعار الفائدة مجددًا هذا العام، مما يقلل من جاذبية السندات ويزيد من الإقبال على الذهب.
وعلى الصعيد الدولي، ساهمت الحروب المستمرة في أوكرانيا وغزة، إلى جانب التحركات الأمريكية لإزاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في بقاء أسعار الذهب عند مستويات مرتفعة.
كما تعد “الندرة” من أهم خصائص الذهب التي تجذب المستثمرين؛ فوفقًا لمجلس الذهب العالمي، لم يتم استخراج سوى 216 ألف طن تقريبًا عبر التاريخ، وهي كمية تكفي بالكاد لملء 4 حمامات سباحة أولمبية.
وبينما تشير التقديرات إلى وجود 64 ألف طن أخرى تحت الأرض، يتوقع الخبراء أن يظل المعروض من الذهب ثابتًا في السنوات القادمة.
وفي هذا السياق، يقول نيكولاس فرابيل، المسؤول في “ABC Refinery”: “عندما تمتلك الذهب، فأنت لا تعتمد على ديون شخص آخر مثل السندات، ولا يتأثر الذهب بأداء الشركات كما هو الحال في الأسهم. إنه وسيلة تنويع مثالية في عالم غير مستقر”.
وشهد عام 2025 أكبر مكاسب سنوية للذهب منذ عام 1979، مدفوعًا بمخاوف من تضخم أسعار أسهم الذكاء الاصطناعي وسياسات ترامب الجمركية.
ويرى نيكوس كافاليس، من شركة “Metals Focus”، أن حالة عدم اليقين بشأن السياسة الأمريكية هي المحرك الرئيسي لهذا الإقبال.
كما تلعب أسعار الفائدة دورًا عكسيًّا؛ فمع توقع خفض الفائدة مرتين هذا العام، يفضل المستثمرون الذهب على السندات الحكومية التي تراجع مردودها.
ولا يقتصر الشراء على الأفراد، بل أضافت البنوك المركزية مئات الأطنان من السبائك إلى خزائنها العام الماضي، في توجه واضح للابتعاد عن الدولار الأمريكي.
وبعيدًا عن لغة الأرقام والاستثمار، يظل الذهب جزءًا أصيلاً من الثقافات العالمية؛ ففي الهند، يُنظر إلى مهرجان “ديوالي” كفرصة لجلب الحظ والثروة عبر شراء المعادن الثمينة. وتُقدر بنك “مورجان ستانلي” أن الأسر الهندية تمتلك ذهبًا بقيمة 3.8 تريليون دولار، ما يعادل 88.8% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.
أما في الصين، أكبر سوق استهلاك للذهب في العالم، فيزداد الطلب تزامنًا مع “سنة الحصان” التي تبدأ في فبراير، حيث يحرص المواطنون على شراء الذهب تفاؤلاً بالعام الجديد، مما يضيف زخمًا موسميًّا قويًّا لأسعار المعدن الأصفر عالميًّا.


















