أنقرة (زمان التركية)- أسفل صخب الحياة اليومية في لندن، يرقد عالم صامت من الثروات الهائلة؛ حيث تُخزن أكثر من 5 آلاف طن من الذهب في خزائن عملاقة لدرجة أنها أجبرت خطوط مترو الأنفاق على تغيير مسارها. وتعد هذه الخزائن، التابعة لـ “بنك إنجلترا”، واحدة من أكبر احتياطيات الذهب في العالم، مما يكرس مكانة العاصمة البريطانية كمركز لا ينازع لتجارة الذهب الفيزيائي عالمياً.
وفي خطوة نادرة، سمح بنك إنجلترا لفريق سكاي نيوز (Sky News) بتصوير هذه الخزائن لأول مرة، مما أعاد تسليط الضوء على حجم الذهب المخزن وأهميته الاستراتيجية في النظام المالي العالمي.
من الحقائق المذهلة التي كشف عنها التقرير أن خط “سنترال” (Central Line) في مترو لندن ينحرف عن مساره المستقيم ويتبع مساراً متعرجاً عند اقترابه من محطة “بنك”.
والسبب ليس هندسياً فحسب، بل هو ضرورة الالتفاف حول تلك الخزائن العملاقة القابعة تحت الأرض، في دليل ملموس على ضخامة هذه المنشآت وتأثيرها حتى على بنية المدينة التحتية.
يحتوي بنك إنجلترا على 12 خزنة منفصلة تضم إجمالاً أكثر من 5 آلاف طن من الذهب، وهي كمية لا يتفوق عليها سوى احتياطيات بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.
والمفارقة هنا أن بريطانيا لا تملك سوى 300 طن فقط من هذا الذهب، بينما تعود الكمية المتبقية لبنوك مركزية لأكثر من 60 دولة، حيث تكتفي بريطانيا بدور “المستودع الآمن”.
ويتم تسجيل كل سبيكة ذهب، التي يبلغ وزنها حوالي 12.5 كيلوجرام، برقم تسلسلي خاص. والمثير في الأمر أن معظم عمليات تداول الذهب لا تتضمن تحريك السبائك فعلياً، بل تقتصر على تغيير سجلات الملكية ورقياً.
شهد عام 2025 تحركات غير معتادة للذهب؛ فبسبب المخاوف من السياسات الجمركية التي قد يفرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ارتفعت أسعار الذهب في نيويورك بينما تراجعت في لندن.
هذا التباين دفع المستثمرين لنقل الذهب فيزيائياً من لندن إلى الولايات المتحدة عبر سويسرا، حيث تمت إعادة صهر السبائك لتتطابق مع معايير نيويورك قبل إدخالها للسوق الأمريكي.
تثار اليوم نقاشات حادة حول قرار اتخذه وزير المالية الأسبق غوردون براون في نهاية التسعينيات، عندما باع أكثر من نصف احتياطي الذهب البريطاني بسعر 275 دولاراً للأونصة.
ومع اقتراب سعر الذهب اليوم من حاجز 5000 دولار، تشير الحسابات إلى أن هذا القرار كلف الخزانة البريطانية خسائر تقدر بمليارات الدولارات، مما يفسر سبب امتلاك لندن حالياً لـ 300 طن فقط من الذهب الخاص بها.
تتجاوز أهمية هذه الخزائن الجانب المالي لتصبح أداة في الصراعات الدولية؛ فقرار دول مجموعة السبع بتجميد الأصول الروسية، والنزاع القضائي الذي خاضته فنزويلا لاستعادة ذهبها المودع في لندن، يؤكدان أن هذه السبائك هي أوراق ضغط سياسية بامتياز.
ورغم هذه النزاعات، لا تزال لندن تُعتبر “المؤتمن الأكثر موثوقية” في نظر المجتمع الدولي بفضل استقرارها القانوني وتقاليدها التجارية الراسخة.



















