بقلم: ماهر المهدي
القاهرة (زمان التركية)ــ إن اعتداء الولايات المتحدة الأمريكية على إيران، واغتيال المرشد العام الإيراني وقيادات إيرانية أخرى رفيعة المستوى، وتورط الولايات المتحدة الأمريكية – مع الجانب الإسرائيلي – في هذه الحرب غير المشروعة، وفقًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، رغم وجود مبررات سياسية، هو انتصار لإيران وليس انتصارًا للولايات المتحدة الأمريكية ولا لإسرائيل. فالاعتداء في حد ذاته انعكاس لحالة من الضعف والتخبط والانتهازية السياسية التي لا تراعي مصالح سوى المصالح الحزبية والشخصية المباشرة وغير المباشرة، مثل خلق حالة من الإلهاء وتشتيت الرأي العام الداخلي المستاء والمنقسم والحانق على تدهور الأوضاع المعيشية وتزايد الصعوبات، ومساعدة الأصدقاء المنتفعين اقتصاديًا من وراء الحروب.
إن نظام الملالي في إيران يتولى مقاليد الحكم في البلاد منذ نحو خمسة عقود، وليس منذ خمسة أشهر أو خمسة أعوام، وهي فترة طويلة كافية لنشأة دولة جديدة – كما في حالة إسرائيل ذات الخمسة والسبعين عامًا – وليس فقط لاستقرار واستتباب نظام سياسي ما. وقد بدأ نظام الملالي حياته في إيران بأزمة الرهائن الأمريكيين عام 1979، ثم حرب السنوات الثماني ضد العراق اعتبارًا من عام 1980. وشهد النظام مواجهات وعداوات وحركات انفصالية كثيرة ومتعددة الجنسيات والأسباب، كما واجه معارضة في الخارج.
غير أن نظام الملالي تعلّم التعايش مع العداوات والعقوبات التي بدأها الرئيس الأمريكي جيمي كارتر بتجميد كافة أرصدة إيران لدى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1979، لينظّم الحياة في البلاد ويحرز تقدمًا واضحًا في مجالات عدة، ويقدم نموذجًا يُحتذى به بين الدول – وفقًا للتقارير المتخصصة في المجالات المتباينة – ويعكس حالة من الثقة والاستقرار والسلام الداخلي، وإن لم يكن سلامًا داخليًا تامًا.
فحركات المطالبة بحرية المرأة وحرية التعبير قد تشير إلى أن نظام الملالي يواجه مشكلة في تبني سياسة مقبولة فيما يتعلق بالمرأة ودورها وحرياتها في المجتمع، على وجه الخصوص، وهو أمر ليس باليسير فعلًا، لكون المرأة نصف المجتمع، شأنها شأن الرجل في صحيح الدين. ولكن لكي تتبين الأمور أكثر، فإن حقوق المرأة لم ترَ النور كاملة – حتى الآن – في كثير من البلدان، المتقدم منها والمتأخر على السواء.
ووجود ملفات داخلية مشتعلة في بلد متعدد الأعراق وكثيف السكان مثل إيران ليس حالة تدل على فشل الدولة، وهو ما ينطبق على إيران ونظام الملالي القائم فيها. واستمرار نظام الملالي في الحكم لنحو خمسة عقود متتالية ليس إلا نجاحًا، وإن يكن منقوصًا في أعين بعض التقديرات هنا وهناك. فهذه الاستمرارية لعقود تعكس قبولًا داخليًا واسعًا للنظام في إيران، وليس قبولًا محدودًا هشًا يمكن تجاهله سريعًا والعودة إلى الوراء.
وخلال سبعة وأربعين عامًا، نما ثلاثة أجيال إيرانية على الأقل، ولا يمكن تجاهل هذه الحقيقة أو الرهان على كراهية الشعب للنظام وسعيه إلى إسقاطه، خاصة وأن نظام الشاه كان نظامًا فاسدًا سفّاكًا للدماء، رهينة في أيدي القوى الخارجية الطامعة في موارد البلاد على امتداد تاريخه وحتى هروبه من إيران. ولولا فساد الشاه وعائلته وتسليمه مقدرات إيران – من البترول والغاز الطبيعي – إلى المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، لكانت إيران بلدًا غنيًا زاهيًا، ولما نشأت هذه العداوة القاتلة بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية.
إن استمرار تماسك إيران وصمودها في مواجهة الاعتداء العسكري الأمريكي الإسرائيلي هو الأمر الأقرب إلى الصواب والمنطق، وهو ما قد نراه خلال الفترة القادمة التي قد تتحول إلى حرب مفتوحة. وأمن إيران واستقرارها هو الخير للمنطقة، وهو النصر المتوقع لها، لأن خراب إيران واضطرابها وتقسيمها ليس في صالح أحد، ولن يكون مصدر خير لأحد، ولو تصورت إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية غير ذلك.



















