أنقرة (زمان التركية) – هاجمت مسيرات إيرانية الشهر الجاري المكتب الخاص لرئيس وزراء إقليم كردستان، مسرور بارزاني، ومقر جهاز المخابرات الخارجية في الإقليم باراستين، وجاء هذا التصعيد، الذي يُعد الأخطر حتى الآن، بعد أيام فقط من بدء الولايات المتحدة سحب الأفراد والمعدات من قواعدها العسكرية في إقليم كردستان.
وأعلنت الحكومة الاتحادية العراقية أن هذه العملية ستكتمل رسميا بحلول نهاية سبتمبر/ أيلول القادم.
يثير هذا التطور تساؤلات جدية حول مستقبل الدفاع الجوي لإقليم كردستان، الذي تعرض لأكثر من 1000 هجوم من جانب إيران والجماعات العراقية المرتبطة بها في الأشهر الأخيرة، كما أنه يهدد بخلق مصدر جديد للتوتر داخل العراق ستسيطر السلطة عليه على المنشآت العسكرية التي تم إخلاؤها.
ولكلا القضيتين عواقب أوسع من حيث التوازن الإقليمي في وقت تخوض فيه إيران والولايات المتحدة صراعا مفتوحا.
خلال الأسبوعين الماضيين، قامت طائرات نقل كبيرة من طرازC-17Globemaster III بتفكيك بطاريات صواريخ أرض جو أمريكية باتريوت في القاعدة العسكرية الأمريكية المتاخمة لمطار أربيل الدولي ونقلها إلى القواعد الأمريكية في الأردن، وفقا للمعلومات التفصيلية الذي حصل عليها موقع المجلة، كما تم إنزال منطاد المراقبة الجوية فوق أربيل.
من ناحية أخرى، نقلت بريطانيا نظام الدفاع الجوي Rapid Sentry إلى قبرص. ولم تترك الولايات المتحدة وبريطانيا، إلى جانب ألمانيا وفرنسا، سوى وحدات عسكرية صغيرة في القاعدة.
وتعمل قاعدة اللوجستيات الأمريكية بالقرب من مطار أربيل على غرار معسكر فيكتوري بالقرب من مطار بغداد الدولي، إذ يتم استخدامها منذ عام 2014 كمركز لتوفير المراقبة والاتصالات والدعم اللوجستي للشركاء المحليين المشاركين في عمليات مكافحة الإرهاب، وكذلك كنقطة تنسيق مع الأعضاء الآخرين في التحالف الدولي.
وبالقرب منها، تقع قاعدة حرير العسكرية على بعد حوالي 100 كم شمال أربيل. وتم استخدام هذه القاعدة كمركز للعمليات العسكرية الأمريكية خلال الوجود العسكري الأمريكي في العراق بين عامي 2003 و2011، غير أن السلطات الكردية تقول إن القاعدة كانت فارغة تقريبا من حيث الأفراد العسكريين منذ ما يقرب من عقد من الزمان، مع وجود عدد قليل فقط من الموظفين المدنيين والمعدات المحدودة للحفاظ على تشغيل المنشأة.
وتم استخدام بعض المراكز اللوجستية الأصغر في جميع أنحاء المنطقة منذ عام 1991.
لم يحدد الجيش الأمريكي بعد بوضوح طبيعة الانسحاب الحالي. وأوضح مسؤولون أمريكيون أن القوات الأمريكية تتحرك بشكل روتيني بين مواقعها المختلفة، وأن الصراع العسكري في جميع أنحاء الشرق الأوسط جعل عمليات إعادة الانتشار هذه ضرورية بشكل متزايد استجابة للاحتياجات التشغيلية.
حاول أشخاص مقربون من حكومة إقليم كردستان التقليل من أهمية التدابير الأمريكية بقولهم إن الشحنات تتعلق فقط بالقوات التي انتقلت من أجزاء أخرى من العراق إلى إقليم كردستان في العام الماضي.
وقال مصدر سياسي كردي كبير لموقع المجلة: “ على الرغم من أننا نرى الوجود الأمريكي كعنصر مهم في الحفاظ على الاستقرار في العراق، فإن هذا التطور لا ينذر بالخطر لثلاثة أسباب. أولا، لا يمكن للولايات المتحدة أن تغادر العراق فقط، خاصة ضد القوى الإقليمية المعادية لواشنطن، فلا يزال العراق مركزا استراتيجيا للمصالح والنفوذ الأمريكي، لا سيما في المجالين الأمني والعسكري. عندما حاولت الولايات المتحدة تجاوز هذا الواقع في عام 2011 وانسحبت تماما من العراق، عادت أقوى بكثير في أقل من ثلاث سنوات بعد صعود داعش”.
أضاف “القضية الثانية هي الموقف السياسي لإقليم كردستان تجاه النزاعات الإقليمية. ويستند هذا الموقف إلى حياد واضح وإرادة حازمة بعدم التدخل في شؤون أي طرف. وسيظل هذا أحد الدروع الرئيسية والعناصر الرئيسية لاستقرار المنطقة. بالإضافة إلى هذين العاملين، نعتقد أن جزءا من الوجود العسكري الدولي سيبقى تحت أسماء مختلفة في كردستان. ويمكن أن يتخذ ذلك شكل قوى تحمي المصالح الدبلوماسية أو مراكز التنسيق والتدريب وتبادل المعلومات الاستخبارية. ستوفر هذه الهياكل وحدها للمنطقة مستوى معينا من حماية السلامة، على الأقل في المجال الجوي. إن الأهمية الجيوسياسية لكردستان أكبر من أن تترك بمفردها “.
الخلاف على السيطرة
يتوقع المراقبون أن تتحول مسألة من سيسيطر على المنشآت العسكرية واللوجستية التي ستخليها الولايات المتحدة في إقليم كردستان إلى نقاش سياسي وإعلامي مطول بين أربيل وبغداد.
ويعكس النزاع تفسيرات قانونية وسياسية مختلفة للقواعد التي تحكم القضية، لكن تحتها تكمن مشكلة أكثر جوهرية، مثل استمرار انعدام الثقة بين الجانبين.
يعود وجود القوات الأمريكية في كردستان إلى منتصف عام 1991. وفي تلك الفترة، اعتمد مجلس الأمن الدولي القرار 688، مما مهد الطريق لإقامة منطقة حظر طيران فوق المناطق الكردية، تهدف إلى الحماية من الهجمات على المدنيين من قبل النظام العراقي السابق.
بمرور الوقت، أصبح هذا الوجود العسكري الأجنبي عنصرا مهما في كل من ظهور إقليم كردستان والحفاظ على استقلاليته. ومع ذلك، تشعر السلطات الفيدرالية العراقية أن هذه الفترة أصبحت الآن شيئا من الماضي.
وفقا لهم، لم يعد وضع كردستان الفيدرالي مضمونا من قبل أي قوة عسكرية أجنبية، بل مضمونا بموجب الدستور العراقي.
ويتمحور موقف الحكومة الاتحادية حول ضرورة سيطرة الجيش العراقي على القواعد والمراكز التي تم إخلاؤها، لأن هذه المنشآت هي من الناحية القانونية والدستورية جزء من هياكل الدفاع الجوي التي تقع ضمن اختصاص الجيش والحكومة الاتحادية. حتى المطارات المدنية والبوابات الحدودية البرية لإقليم كردستان تديرها مؤسسات اتحادية.
في المقابل، يشير الجانب الكردي إلى الفقرة الخامسة من المادة 121 من الدستور العراقي التي تنص على “أن الحكومة الإقليمية هي المسؤولة عن جميع المتطلبات الإدارية للمنطقة بما يشمل إنشاء وتنظيم قوات الأمن الداخلي بالمنطقة كالشرطة وقوات الأمن وحراس الأحياء”.



















