د. محمود آكبينار*
أعلن الجيش التركي أن عناصره قتلت 5 إرهابيين بعد اشتباكات استمرت على مدار يوم بولاية أغري شرق البلاد، فيما أصيب 4 جنود خلال الاشتباكات. ثم أفاد الجناح السياسي لمنظمة حزب العمال الكردستاني (حزب الشعوب الديمقراطي واتحاد المجتمعات الكردستانية) بأن هذه العملية “عملية مفتعلة” وأن حكومة العدالة والتنمية أرادت “سقوط شهداء من الجنود في الأناضول”. أما الحكومة فاعتبرت هذه التصريحات “تحريضية”! و”تهديدات تستهدف صناديق الانتخابات”، وأصدرت تصريحات أمنية شديدة اللهجة.
ماذا يحدث في تركيا التي تسير نحو الانتخابات البرلمانية؟ لماذا عادت عناصر حزب العمال الكردستاني للحركة من جديد في هذا الوقت بالذات؟
في الواقع ليس ثمة أي تغيير طرأ على تصرفات منظمة حزب العمال الكردستاني، فما تغير هو موقف الحكومة التركية. وعقب الصراع العنيف الذي وقع عام 2012 تلقّت المنظمة ضربة قاسية في المنطقة ودخلت قوات الأمن معسكراتها التي لم تدخلها منذ سنوات. فلو كانت حكومة حزب العدالة والتنمية أقدمت على إجراءات قانونية تخص الحقوق الأساسية والديمقراطية للأكراد بالتوازي مع الصراع العنيف مع حزب العمال الكردستاني، لكان تأثير المنظمة قد ضعف تدريجيًا. ذلك أن الشعب بدأ يلتقط أنفاسه بعدما خفّت وطأة حزب العمال الكردستاني، وأظهرت الدولة للمرة الأولى كفاحًا مؤثرًا ومنسَّقًا. لكننا شهدنا بين ليلة وضحاها أن بعض الناس بدأت تراودهم “أحلام وردية” ويتحدثون عن مفاوضات السلام.
لقد شدّد الكثير من الخبراء الذين يتابعون التطورات التي تشهدها المنطقة من داخل الساحة، بما فيهم نحن، على أن الأجواء المتفائلة يمكن أن تكون مضللة، ولهذا وجب التصرف بشكل حذر. غير أنهم بدؤوا يصفوننا بـ”محبي الموت والدماء!”، ووجهوا إلينا انتقادات لاذعة. لكن ما قلناه كان ضرورة إدارة مفاوضات السلام بشكل واضح وشفاف مع الأخذ بعين الاعتبار جميع الاحتمالات السلبية. غير أن حزب العدالة والتنمية الحاكم كان يدير المفاوضات في تلك الفترة من خلال دعاية في إطار: “حتى لا تراق الدماء وتبكي الأمهات!”. وكانت الحكومة تنتهج سياسة الحصول على دعم الشعب وأصواته في الانتخابات في ظل زعمها بأنها “ستحل أكبر مشاكل تركيا” في حين أنها لم تضع بنية تحتية لهذه القضية ولم تفِ بمتطلباتها. وقد أحدثت الحكومة رياحًا اصطناعية حتى بدأ الشعب يصدق أن القضية الكردية حُلَّت دون أن يتساءل عن مدى صدق هذه الادعاءات. والسبب في ذلك أن الشعب لم يعد يتلقى أنباء سقوط شهداء أو قتلى في الاشتباكات التي كان تتواتر باستمرار فيما مضى.
تغافل البعض عن جعْل منظمة حزب العمال الكردستاني خلال مفاوضات السلام هو الجهة الرسمية لمخاطبة الأكراد كافة وإضفاء صبغة شرعية عليه، وجعْل زعيمها عبد الله أوجلان زعيمًا لجميع الأكراد. فأنقرة لا تخاطب الشعب الكردي ولا تجري تعديلات قانونية ودستورية تمكّنهم من الحصول على حقوقهم، كما لم ترفع سقف الديمقراطية. وبعكس ما يقال، فإن حزب العمال الكردستاني لم يترك السلاح، ولم يتحول كذلك إلى عنصر خامل. بل على العكس تمامًا، فقد وصل في هذه الفترة إلى أوج قوته على مدار تاريخه. وتعترف قيادات المنظمة في جبال قنديل بأن مفاوضات السلام هي التي وفرت لها هذه الإمكانيات. فانضم عدد قياسي من العناصر الجديدة إلى صفوف المنظمة ، وكان شباب حديثو السن يتم تشييعهم إلى الجبال بمراسيم احتفالية.












