محمود آكبينار
إن مشروع الشرق الأوسط الكبير هو إعادةُ هيكلة للمنطقة وفق الخطة المرسومة بحسب هوى الدول الغربية، وزيادة الاضطرابات الطائفية والعرقية، والإيقاع بين العناصر المختلفة. فلماذا يرغبون في تنفيذ هذا المشروع؟ ثمة سببان لهذه الرغبة هما:
1- حتى لا تكون الحضارة الإسلامية والمسلمون بديلاً للغرب بالنسبة للعالم في المستقبل ولينشغلوا بهمومهم ولا يستطيعون أن ينظروا أمامهم.
2- من أجل أمن إسرائيل.
وُضع أساس مشروع الشرق الأوسط الكبير مطلع سبعينيات القرن الماضي، ويجري حاليًا تطبيقه بشكل تدريجي، لكننا لسنا مدركين لحجم الخطر، ذلك أننا ننسى بسرعة. أما المثقفون الذين من المفترض أن يحذّروا المواطن فهم في غفلة لدرجة أن الناس في تركيا أصبحوا يصفقون عندما يقول السياسيون ورجال الدولة (!) عكس ما قالوه قبل ثلاثة أشهر.
تحولنا إلى جزء من المشروع
إذا تتبعنا الأحداث التي تطورت اعتبارًا من سبعينيات القرن الماضي، بدءًا من الثورة الإسلامية في إيران، مرورًا بالأنشطة الإرهابية التي تولتها منظمة حزب العمال الكردستاني، فإنه من الممكن أن ترتبوا العديد من تلك الأحداث مع بعضها كجزء من مشروع الشرق الأوسط الكبير؛ إذ إن اللاعبين الكبار لا يضعون خططهم وحساباتهم لثلاث أو خمس سنوات، وعادة ما يكون لديهم أهداف بعيدة المدى وإستراتيجيات لتحقيق هذه الأهداف. وقد كانت حضارتنا تمتلك أهدافًا بعيدة المدى وإستراتيجيات تهدف لتحقيقها في يوم من الأيام، لكننا اليوم أصبحنا أبناء حضارة يتصارع أفرادها من أجل أن يعيشوا اللحظة فقط.
لقد زار أردوغان مراكز القوى في الغرب مرات عديدة قبل أن يصل إلى السلطة وبعد أن وصل إليها، وحصل على الإجازة، حتى أن بعضهم منحه “جائزة الخدمة الرفيعة”. وله تصريح قال فيه “نحن (تركيا) الرئيس المشارك في مشروع الشرق الأوسط الكبير!”. وبإمكانكم أن تسمعوا عبارة أردوغان هذه بآذانكم إذا دخلتهم إلى موقع يوتيوب على الإنترنت، فإن المطقع المصوّر لكلامه لا يزال موجوداً. هذا فضلاً عن أن هناك التصريحات التي أدلى بها زعيم حزب الرفاه الإسلامي الراحل نجم الدين أربكان بشأن طلابه الذين انشقوا عنه وأسسوا حزب العدالة والتنمية الذي يحكم تركيا منذ أكثر من عقد من الزمان.
عادت القوى الغربية والعالمية من جديد بعد قرن من سقوط الدولة العثمانية إلى هيكلة الشرق الأوسط رغمًا عن شعوبه، فهم يقسمونه ويقلبون أموره رأسًا على عقب، ومخططهم يسير على أكمل وجه، أما نحن كدول وشعوب فلا ننظر إلى المشهد بالكامل؛ إذ إننا نجري وراء الحسابات الصغيرة لنكون بذلك جزءًا من مشروع الشرق الأوسط الكبير.
لا تنخدعوا بالطوفان!
حسنًا، إذا كان البعض على بعد خطوة واحدة من الوصول إلى مرادهم بهذا المشروع بعدما هيأوا المنطقة لذلك ولم يبقَ إلا القليل ليوجهوا الضربة القاصمة فهل سيرغبون في التخلّص من الرجل الذي قال “أنا الرئيس المشارك لمشروع الشرق الأوسط الكبير”؟، ويرضون بتقلّص دوره وزوال فاعليته في هذا الصدد؟ لا تنخدعوا بالطوفان والأعاصير القادمة من الغرب بشأن بعض تصرّفات ومواقف أردوغان، فهم لا يريدون أبدًا أن يتخلصوا من رجل كهذا، على الأقل قبل أن يحققوا أهدافهم.
إنهم لن يغيّروا حصانهم في الوقت الذي غاص فيه البعض في بحار المشاكل العويصة والفساد والانتهاكات القانونية فباتوا مستعدين لتقديم كل التنازلات. يبدو الشرق الأوسط وكأنه أخذ جرعة من البنج، وهو مستعد ليخضع لأية عملية! يتمدد على الفراش وجميع أعضائه مفتوحة، وهم يمسكون بالمبضع ويقطّعون الجسم كيفما شاءوا. فماذا سيحدث لو رفضت تركيا هذا؟
لا يمكن لأحد أن يضر بأي بلد أكثر من رجل دولة استسلم لمواضع الضعف لديه وتلطخت يداه بالفساد وأصبح رهينة لدى البعض!
وفي الوقت الذي أصبحت تركيا والمنطقة بأسرها تحترق في حلقة نار نجد الإسلاميين يهرولون وراء الشعارات الحماسية!












