عمر نور الدين
من حق الشعب التركي، حتما، أن يشعر بشئ من خيبة الأمل تجاه أحزاب المعارضة بعد أن فتح لها الطريق ومنحها القوة في مواجهة حزب العدالة والتنمية وانحاز إليها ضد مشروع الرئيس رجب طيب أردوغان لتأسيس نظام رئاسي بمواصفاته الخاصة كان سيقود حتما إلى نموذج لا يختلف كثيرا عن نماذج الديكتاتورية وحكم الفرد التي اختبرها العالم وثارت عليها الشعوب مرارا ..
الشعب التركي منح ثلاثة من أحزاب المعارضة هي: الشعب الجمهوري والحركة القومية والشعوب الديمقراطي 60% من أصواته في الانتخابات البرلمانية التي شهدتها تركيا في 7 يونيو/ حزيران الماضي، والتي يمكن وصفها بأنها كانت انتخابات تاريخية بحق، ولاشك في أن الشعب التركي وهو يفعل ذلك، بكل إرادته الحرة، ويرد بالرفض على طلب أردوغان الذي لطالما استجاب له مرات ومرات من قبل في دعوته التي تكررت في العديد من الاستحقاقات الانتخابية بتلقين المعارضة الدرس في صناديق الاقتراع، كان يقصد شيئا ما يتجاوز بكثير مجرد وقف طموحات أردوغان في الانفراد بكل السلطات والصلاحيات، كرجل أوحد يحكم البلاد..
فالشعب التركي ناصر الديمقراطية، وفتح الباب أمام حزب كردي صغير، للمرة الأولى في تاريخ الجمهورية التركية، لكسر تابوه الحد النسبي للتمثيل في البرلمان، وهو الحصول على 10 بالمئة من أصوات الناخبين، وجعله يقف على الأرضية نفسها التي يقف عليها حزب عتيق مثل الحركة القومية له تجارب وتاريخ في الحكم وفي المعارضة أيضا، ولم ينتظر الشعب أن يتغير هذا الحد النسبي الجائر عبر دستور جديد لتركيا تدور حوله النقاشات منذ سنين، وأغلق الباب أمام وضع دستور جديد يأخذ بأحلام وطموحات شخص واحد ويكرس لجمهورية ثانية سمتها الأساسية أنها” جمهورية خوف” لا تعترف بقيم التعددية وتقضي على تجربة ديمقراطية، ربما لم تستوف أركانها بالكامل، لكنها لاتفتقد إلى الأساسيات، وأهمها ممارسة الشعب لحقه في القبول أو الرفض، وقد مارس الشعب هذا الحق وانحاز إلى جانب المعارضة ليدعمها متغلبا على مخاوف العودة إلى الحكومات الائتلافية.
لاشك في أن الشعب درس قراره بعناية، قبل أن يعبر عنه في رسالته التي أظهرها في صناديق الاقتراع، فهل فهمت أحزاب المعارضة هذه الرسالة وتفاعلت مع الشعب، أم أنها ماضية في إهدار الفرصة الكبيرة التي غيرت مسار الأمور في تركيا وأعادت تصحيحه؟
قراءة ما جرى في جلسات انتخاب رئيس البرلمان التركي الجديد، الأسبوع الماضي، أعطت للأسف إجابة سلبية قاتمة عن هذا السؤال، وأكدت أن أحزاب المعارضة التركية لايزال كل منها يتخندق حول مواقفه الجامدة ونظرته الإيديولوجية الضيقة، لتفتح الطريق بأيديها لترسيخ هرم السلطة الذي جلس على قمته حزب العدالة والتنمية على مدى 13 عاما، شهدت الأعوام الأربعة الأخيرة منها أسوأ ممارسات معادية للديمقراطية وحقوق التعبير وحقوق الإنسان بمنظورها العام.
أسلمت أحزاب المعارضة رئاسة البرلمان للعدالة والتنمية، الذي بيده رئاسة الجمهورية ، وغدا ستكون بيده رئاسة الحكومة الائتلافية، ليبقى شكل الحكم في تركيا كما هو، وليصدم الشعب الذي اعتقد أنه سيشهد تغييرا بعد انتخابات 7 يونيو، يعكس التعاطي المنطقي من جانب أحزاب المعارضة مع الفرصة التي منحها إياها، لكن هذه الأحزاب أبت أن تتعامل بروح إيجابية مع ثقة الشعب الممنوحة لها لتعطي له مؤشرا سلبيا قد يؤثر في توجهه نحوها حال إجراء انتخابات مبكرة يسعى إليها الرئيس رجب طيب أردوغان، ليسترد ما فقده في هذه الانتخابات، لأنه لايجب أن يتوقع أحد أنه سيسلم بسهولة، حتى وإن كان يتحدث ليل نهار عن احترام الديمقراطية وإرادة الأمة.
ربما يقول البعض إن انتخابات رئاسة البرلمان ليست هي المحك الحقيقي وإن الاستحقاق الأصلي لم يأت موعده بعد، وهو تشكيل الحكومة الائتلافية وإظهار أحزاب المعارضة التزامها بتعهداتها بفتح ملف تحقيقات الفساد من جديد وإلغاء القوانين السالبة للحريات التي أقرها حزب العدالة والتنمية مستندا إلى أغلبيته السابقة في البرلمان.. لكن إذا كانت هذه الأحزاب فشلت في خلع ردائها الإيديولوجي، ولم تنجح في التنسيق مع بعضها البعض أو الوصول إلى نقطة توافق حول مرشح لرئاسة البرلمان أيا كان من حزب الحركة القومية أو الشعب الجمهوري أو الشعوب الديمقراطي، فهل ستنجح في الاستحقاقات الأقوى فيما بعد؟
ومع كل التقدير لموقف حزب الشعوب الديمقراطي، الذي تعاطى إيجابيا مع خيار إيجاد الحلول وصوتت كتلة من نوابه الثمانين لمرشح حزب الشعب الجمهوري لرئاسة البرلمان دنير بايكال في المرحلة الأخيرة والحاسمة، فإنه يمكن القول إن الآمال الكبيرة التي علقها الشعب على أحزاب المعارضة في التغيير، تحطمت على صخرة إيديولوجية حزب الحركة القومية، الذي تسبب موقفه في ذهاب رئاسة البرلمان إلى عصمت يلماز مرشح حزب العدالة والتنمية، والذي أطفأ فرحة الشعب بما أنجز في 7 يونيو وأعطاه مؤشرا سلبيا على المرحلة المقبلة، وفوق ذلك جعل الكثيرين يتساءلون: هل هي حقا معارضة تستحق شعبها؟












