15 أكتوبر 2019

من فضلك اختار القائمة العلويه من القوائم داخل لوحة التحكم

ملحمة أوغوزخان

ملحمة أوغوزخان
gazeteciler

بـقلــم: ضياء كوك ألب (Ziya GÖKALP)
ترجـمـــة: طارق خاقان (Tarık HAKAN)
تاريخ الترجمة: 2004
ولِد أوغوزخان أزرق الوجه، أحمر الشفتين كالنار، أسود العينين والشعر والحاجبين. وما إن رضع من ثدي أمه مرّة لم يُعِد الكرّة ثانية وطلب الطعام، وبدأ الكلام، وخلال أربعين يوما بات يتجوّل ويلعب. وكانت قدماه، تشبهان قدمي الثور، وجسمه يشبه جسم الذئب، وصدره يشبه صدر الدب، وكان جنباه مشعرين، وكان يقود قطيع الجياد راكبًا بِرْذَوْنه، ويذهب إلى الصيد دون إذن. مضت الأيام والليالي وأصبح أوغوزخان يافعًا، وفي تلك الحقبة كانت هناك غابة كبيرة تنبع منها الأنهار والسواقي، وتكثر فيها الحيوانات والطيور، وفي تلك الغابة كان يعيش وحشٌ كبير يفترس الأحصنة ويبتلع الناس، فقرّر البطل أوغوزخان قَتْل ذلك الوحش. وفي أحد الأيّام ركب أوغوزخان حصانه حاملًا رمحًا وسهمًا وقوسًا وسيفًا وترسًا متوجّهًا إلى الصيد، فصاد وعلًا وربطه بكرباج حصان وعلّقه على شجرة وغادر، وفي صباح اليوم التالي عاد إلى تلك الموقعة فوجد أنّ الوحش كان قبض على الوعل، ولم يرَ شيئًا فقعد تحت الشجرة حتّى جاء الوحش ثانية، فهجم على أوغوزخان ونطح ترسه، فما كان من البطل إلاّ أن أخذ يضرب رأس الوحش برمحه حتى قتله ثم قطع رأسه بسيفه، وفي أثناء ذلك شاهد نسرًا يأتي ليأكل أحشاء الوحش المقتول فقتله هو أيضًا.

وفي إحدى الأيام كان أوغوزخان يتعبّد الله فإذا بالمكان يسودّ ويسقط من السماء ضوء تقعد في وسطه فتاة وحدها، وكانت تلك الفتاة في غاية الجمال، في رأسها دمغة كنجمة القطب الملتهبة، إذ كان جمالها إلى درجة أنّ السماء الزرقاء كانت تبتسم لابتسامتها، وتبكي لبكائها، فأحبها أوغوزخان وتزوّجها، ورُزِق أوغوزخان منها ثلاثة أبناء سمّاهم : {ﮔون (Gün)، آي (Ay)، ييلضز (Yıldız)}. وفيما بعد وبينما كان أوغوزخان في الصيد، شاهد من بُعدٍ بحيرة في وسطها شجرة، وتحت الشجرة تقعد فتاة على قدر بالغٍ من الجمال حتّى إنّ الذي كان يراها يُغمى عليه ويسقط أرضًا وكأنه يسيل كالحليب أو القيميز (المشروب الذي يُصنع من حليب الفرس)، فأحبها أوغوزخان وتزوّجها ورُزِق منها ثلاثة أولاد سماهم : {كوك (Gök) ـ ضاغ (Dağ) ـ دنيز (Deniz)}.
وفي يومٍ من الأيّام أقام أوغوزخان مأدبةً عامّةً أصدر بعدها أمرًا للقادة العسكريين والشعب قائلًا :

“أنا خاقانكم (أي سلطان باللغة التركية وأصلها “قاغان”) وعليكم طاعتي”. ثمّ وجّه أوامره إلى الجهات الأربعة طالبًا من الملوك إطاعته قائلًا: “إنّ الذين أصبحوا تابعين لي سأرسل إليهم الهدايا وسأتخّذهم أصحابًا، وأمّا الذين لن يكونوا تابعين لي سأتّخذهم أعداءً”.

وفي ذلك الوقت كان في جهة اليمين الملك ”ألتون قاآن” الذي أرسل الهدايا والذهب والفضة والعقيق والزمرّد، وفي جهة اليسار الملك ”أوروم قاآن” الذي كان يملك الكثير من الجيوش والمدن ولم يأبه لأمر أوغوزخان الذي جهّز جيشه، ورفع علمه، وركب حصانه، وبعد أربعين يومًا وصل إلى سفوح جبل”DAG BUZ” (أي الجبل الجليدي)، وفي صباح يّوم من الأيّام دخل نور شبيه بنور الشمس خيمة أوغوزخان، وشوهد وسط هذا النور ذئب أغبرُ قال إنّه يريد أن يدلّ أوغوزخان على الطريق، فمشوا خلف الذئب إلى أن وقف عند شاطئ نهر إيتيل (هو نفسه نهر”الفولغا”)، فوقف جيش أوغوزخان، وفي ذلك المكان في جزيرة سوداء وخاضوا حربًا، أصبح بعدها لون النهر شديد الاحمرار مثل شرايين الدم، ونتج عن هذا الحرب هرب “أوروم قاآن” (قاآن مثل خاقان لها المعنى نفسه. المترجم) فأصبحت مملكته وممتلكاته وشعبه بيد أوغوزخان. وكان لأوروم قاآن أخ اسمه (أوروص بك) (بك معناها أمير). وكان أوصى لابنه مدينة في قمّة جبل عند مكان يسمّى (تَرِينك مُوْرَن: Tering Müren)، وسار أوغوزخان باتجّاه تلك المدينة، فأرسل إليه ابن أوروص بك رسالة يقول فيها: “إنّ سعادتنا هي نفسها سعادتك، إنّ الله قد وقف لك هذه الأرض، وإنّني على استعداد للتضحية بحياتي والتخلّي عن سعادتي الشخصية من أجلك”

فأجابه أوغوزخان بقوله :”لقد أعطيتني الكثير من الذهب، وحميت المدينة جيّدًا، (صاقلا) (أي احتفظ)”، فأصبح اسمه بعد ذلك (صاقلاب)، ثمّ قطع بجيشه نهر إيتيل، وهناك كان يعيش خاقان كبير، صمّم أوغوزخان على الاستيلاء على حكمه أيضًا، وقال: “سوف أهجم من نهر إيتيل”، وكان في الجيش (تيـﮔين: Tigin) (لقب يُطلق على بعض أقارب السلطان كإخوته وأبناء إخوته، وتُستخدَم بمعنى الأمير أيضًا. المترجم) اسمه (أولوغ أوردو أسباتنك) كان قطع بعض الأشجار لكثافتها في تلك المنطقة، ثمّ ركب هذه الأشجار المقطوعة وعبر النهر بواسطتها، فقال له أوغوزخان ضاحكًا: “كن أنت أيضًا خاقانًا مثلي، ولتُسمَّ (قبجاق)”.
ثم تابع مسيره وشوهد من خلال فسحة الذئب الأغبر مرةً أخرى، وسار مع الجيش قائلًا: “أحضر الجيش والشعب إلى هنا، فأنا من أمامكم سأدلّكم على الطريق”، ومشوا خلف الذئب، وفي أحد الوديان ركب أوغوزخان حصانًا أحبّه كثيرًا، لكنّ الحصان ما لبث أن توارى عن الأنظار في الصحراء، وكان هناك جبل شاهق يسمّى (بوز ضاغ) أي (الجبل الجليدي) لأنّ قمّته كانت مثلجةً دائمًا.

حزن أوغوزخان كثيرًا على هرب حصانه، وكان في الجيش (تيـﮔين) بطل عظيم، تسلّق هذا البطل الجبل الشاهق، وبعد تسعة أيّام أحضر عاد والحصان معه وسلّمه لأوغوزخان، ونظرًا لأن الثلج كان يغطّي جسد الـ(تيـﮔين)، فالبياض الناصع كان غالبًا عليه، ولذلك منحه أوغوزخان اسم (قارلوق) (أي المكان المثلج) وأعطاه الكثير من الهدايا، وجعله خانًا (أي أميرًا) على الكثير من التيـﮔينات.

بعد ذلك اصطف الجميع وتابعوا سيرهم، ورأوا في الطريق بيتًا كبيرًا سقفه من الذهب ونوافذه من الفضة والحديد، أمّا بابه فلم يكن له مفتاح، وكان في الجيش رجل عاقل يُدعى”تومور قاغول”، فقال له أوغوزخان : “ابقَ هنا، افتح الباب، وبعد ذلك التحق بالجيش”، وسمّاه بعد هذه الجملة باسم (قال آج = قالاج) (عبارة “ابقَ افتح” بالتركية  “قال آج”).

وتابع الجيش سيره، ومن جديد رأوا الذئب الأغبر، وفجأةً وقف الذئب أمام الجيش الذي انسجم معه. وكان ذلك المكان سهلًا خصبًا قابلًا للزراعة، ويُسمى (ﭼورﭼت: Çürçet)، وفي هذا المكان كانت تعيش جماعة كبيرة تملك الكثير من البراذين والثيران والأبقار والذهب والفضة والألماس، فتصدّى هؤلاء لأوغوزخان، ونشبت بين الطرفين حرب ضروس بالسيوف والسهام، كان المنتصر فيها أوغوزخان وجيشه الذي لا يقهر، ثم قطع رأس زعيمهم، وأضحى شعبه تابعًا لأوغوزخان وهناك تمّت الحيازة على الكثير من الأملاك، ولكنّ دوابَّ الحمل من بغالٍ وثيران كانت قليلة جدًا، وكان في جيش أوغوزخان رجل اسمه (بارماقلاق جوصون بيلِّيك)، والذي صنع عربةً (خاصّة يطلق عليها اسم قاغنى) (وهي عربة ذات دولابين يدور المحور بينهما معهما. وكلمة عربة لا تحمل المعنى نفسه. علما أن كلمة “عربة” معرّبة عن كلمة “Araba” التركية. المترجم) وملأ الأموال فيها، وركضت الدوابّ، وصنع كل شخص عربة مثل تلك العربة وملأ أمواله (أملاكه) فيها، ثم تابع الجميع سيرهم وعندما رأى أوغوزخان هذا المشهد ضحك، ولقّب ذلك الرجل العبقري بلقب (قانغلى) = (قاغنيلى) (نسبة إلى (قاغنى) العربة التي ذُكرت آنفًا).

ثمّ تابعوا مسيرهم، وكان الذئب الأغبر أمامهم، وذهبوا إلى بلاد (طانقوط وشاغون)، وبعد معارك كثيرة سيطر أوغوزخان عليهما، وفي مكان سرّي للغاية كانت توجد مقاطعة غنيّة جدًا وحارة جدًا تسمّى (باجاق) أو (بارقان)، وكان يعيش فيها الكثير من الحيوانات الوحشيّة وطيور الصيد، وشعبها من أصحاب البشرة السوداء، وخاقانها يدعى (قصار)، فهزمه أوغوزخان، واضطره إلى الفرار، واستولى على مقاطعته، ثم عاد منها إلى مسقط رأسه راكبًا حصانه.

ومن بين رجال أوغوزخان كان شيخٌ أبيض اللحية داكن الشعر، شديد الذكاء، وكان هذا الشيخ عرّافًا، واسمه (أولوغ تُرك)، وكان رأى في منامه قوسًا من الذهب وثلاثة أسهم من الفضة، وكان ذلك القوس يمتدّ من المشرق حتّى المغرب، والأسهم الثلاثة كانت تطير باتّجاه الليل. وعندما استيقظ من النّوم قصّ رؤياه على أوغوزخان ونصحه بنصيحة، وبناءً على تلك النصيحة، جمع أوغوزخان في صباح اليوم التالي أبناءه الكبار والصغار وقال لهم :”لقد شختُ، ولم يعد الحكم باقيًا لي، فيا (كون، آي، ييلضز) توجّهوا إلى جهة مشرق الشمس، ويا (كوك، داغ، دينيز) توجّهوا إلى جهة الليل”. ونفّذ الأولاد أمر أبيهم. وكان (كون، آي، ييلضز) بعد أن قتلوا الكثير من الحيوانات المفترسة والطيور الجارحة وجدوا قوسًا من الذهب، وأحضروه إلى والدهم الذي أعطاه لهم وقال :”أيّها الأخوة الصغار، ليكن السهم لكم، القوس يرمي السهم، وأنتم مثل السهام”. وإثر هذه الحادثة أقام أوغوزخان مجلس شورى دعا إليه الجميع من كل حدب وصوب، وغرس على يمين خيمته سارية ارتفاعها أربعون ذراعًا في أعلاها دجاجة من الذهب، وأمر أن يُربط خروفٌ أبيضُ برجل تلك الدجاجة، وغرس على يسار الخيمة ساريةً مثلَ الأولى في أعلاها دجاجة من فضة، وأمر أن يُربط خروفٌ أسود برجلها، وكان بنو (بوز أوق) يقعدون في الطرف الأيمن، وبنو (أوج أوق) يقعدون في الطرف الأيسر، وبقوا لاهين كذلك أربعين يومًا بلياليها. وبعد ذلك قسّم أوغوزخان سلطنته على أبنائه وقال لهم :”أي بَنيَّ، لقد عشت كثيرًا، وحاربت برمحي كثيرًا، ورميت الكثير من السهام، وركبت الكثير من الأحصنة، وأبكيت الأعداء، وأضحكت الأصدقاء، وجعلت كل شيءٍ فداءً لربّ السماء، وها أنذا أعطيكم وطني”.

 

kanun

مقالات ذات صله