15 يوليو 2019

من فضلك اختار القائمة العلويه من القوائم داخل لوحة التحكم

قصة سيطرة أردوغان على الأمن والقضاء بذريعة الكيان الموازي (3)

قصة سيطرة أردوغان على الأمن والقضاء بذريعة الكيان الموازي (3)
gazeteciler

تقرير: محمد عبيد الله

نقدم اليوم لمتابعبي موقع “زمان التركية” الحلقة الثالثة من التقرير الذي يسعى لتحليل أهم وأبرز الأحداث التي شهدتها تركيا منذ 1997 حيث الانقلاب الناعم حتى 2016 حيث الانقلاب الفاشل وإلى يومنا هذا، بعد أن نشرنا الحلقة الأولى تحت عنوان “بالأدلة والمستندات… الانقلاب المدبر في ذكراه السنوية الثانية” والحلقة الثانية تحت عنوان “محاولة انقلاب يوليو 2016 حقيقة أم ذريعة؟“.

رابعًا: استهداف أردوغان لحركة الخدمة

1ـ التوقيع على قرار مكافحة الخدمة

لم تتوقف أنشطة أرجنكون الرامية إلى تدمير الأرضية الديمقراطية في تركيا من خلال استخدام ذريعة “الانتماء إلى حركة الخدمة الرجعية” حتى في عهد حكومة حزب العدالة والتنمية، فقد مارست ضغوطها على أعضاء مجلس الأمن القومي من العسكريين والمدنيين حتى وقَّع كثير منهم، وعلى رأسهم رئيس الحكومة أردوغان -مختارًا كان أو مكرهًا- على قرار “مكافحة حركة الخدمة وعرقلة أنشطتها في الداخل والخارج” عام 2004. وأوكلت مهمة تطبيق القرارات المتخذة ومتابعة نتائجها إلى لجنة متابعة التنفيذ والتنسيق التابعة لرئاسة الوزراء(19) (20). ثم قامت العصابة بتوظيف امتداداتها في السلكين السياسي والقضائي لترجمة هذا القرار على أرض الواقع في 2006، إذ عمدت وزارة العدل حينها إلى إعداد مشروع قانون يقترح إدراج عبارة “منظمة إرهابية غير مسلّحة” في قانون مكافحة الإرهاب المراد تعديله، بعد أن طرحها أرجنكون لأول مرة في انقلاب 1997.

أردوغان ووزراؤه يوافقون على قرار القضاء على حركة الخدمة عام 2004

هذا المقترح جاء في أعقاب طلب تقدم به محامي فتح الله كولن لإعادة النظر في اتهام النيابة العامة موكله في فترة انقلاب 1997 بتأسيس منظمة إرهابية “غير مسلحة”، التي كانت الدعوى فيها مؤجلة، وقد وافقت محكمة الجنايات في أنقرة على طلب الدفاع فأعادت النظر في القضية وقضت بتبرئة كولن في 5 مايو/ أيار 2006. وقد حاول تنظيم أرجنكون إجراء تعديل في قانون مكافحة الإرهاب وإضافة عبارة “منظمة إرهابية غير مسلّحة” إليه، تمهيدًا لإعلان الخدمة -وأمثالها من الحركات- تنظيمًا إرهابيًّا غير مسلح، ذلك أن حكم البراءة بحق كولن المذكور كان قابلاً للنقض من قبل المحكمة العليا في حال إدراج عبارة “منظمة إرهابية غير مسلّحة” ضمن تعديلات قانون مكافحة الإرهاب.

لكن قبل ليلة واحدة من مناقشة مشروع القانون في اللجنة المعنية اجتمع أردوغان مع أركان حكومته لبحث الموضوع وتحديد اللمسات الأخيرة عليه، وفي ختام الاجتماع وضع أردوغان نهاية للجدل المثار حول هذا الموضوع والذي استمر أكثر من شهر بقوله: “هل يمكن أن يكون هناك تنظيم إرهابي غير مسلح؟! يجب تغيير هذه العبارة”. وفي نهاية المطاف تحقق ما طلبه أردوغان، ولم توضع عبارة “منظمة إرهابية غير مسلّحة” ضمن “قانون مكافحة الإرهاب”(20). وكان وزير العدل آنذاك “جميل تشيتشاك” المعروف بأنه رجل أرجنكون في الحكومة أكثر المنزعجين من هذا التطور، بحسب ما كتبه كل من الكاتب الصحفي “أحمد خاقان” من صحيفة “حريت” و”ميسر يلديز” من موقع “أودا تي في” الإخباري المقرب من أرجنكون(21). وبعد سنتين تقريبًا من هذا التغيير، وافقت هيئة الدائرة التاسعة للمحكمة العليا بالإجماع على قرار براءة كولن في 5 مارس/ أذار 2008، ووافقت عليه بعدها الجمعية العامة للمحكمة العليا بموافقة 17 عضوًا مقابل رفض 6 أعضاء.

والمفارقة أن الكاتبة ميسر يلديز الموالية لتنظيم أرجنكون أكدت أن التعديلات التي حاولت وزارة العدل لحكومة العدالة والتنمية إجراءها على قانون مكافحة الإرهاب كانت محاولة لتطبيق القرار المتخذ في اجتماع مجلس الأمن القومي عام 2004، ومن ثم اتهمت أردوغان بالحيلولة دون تنفيذ هذا القرار ومنع إعلان حركة الخدمة تنظيمًا إرهابيًّا غير مسلح(22).

 

اضغط هنا لمزيد من التفصيل حول جهود إعلان حركة الخدمة تنظيما إرهابيا غير مسلح من خلال تعديلات في قانون مكافحة الإرهاب

2ـ شعور أردوغان بالقوة

لقد أعلن أردوغان عقب انشقاقه عن أستاذه نجم الدين أربكان أبي “الإسلام السياسي” في تركيا، أنه يتبنى منهجًا توافقيًّا يضم جميع الأطراف ويعمل على نزع فتيل الصراعات والنزاعات من خلال تبني رؤية مشتركة ينطلق منها الجميع، لكنه ما لبث أن تراجع عن هذا النهج بعدما شعر بتمكنه من السلطة تزامنًا مع كسر شوكة عصابة أرجنكون، واعتقاله معظم عناصرها الفعالة، وإعادة تصميم البيت الداخلي لحزبه، والأحزب اليمينية الأخرى، والجماعات الإسلامية، والمجتمع المدني، والمجالين الاقتصادي والإعلامي، من خلال تصفية منافسيه المحتملين أو جذبهم إلى صفه، باستخدام سياسة الجزرة والعصا.

وبدأ أردوغان يطالب كل شرائح المجتمع وخاصة ذات المرجعيات الدينية منها بمبايتعه، وإلا سيتم التنكيل بها، فوفقا لما كتب موقع “خبر 7” الموالي للسلطة فإن أردوغان كان يردد: “إما أن يبايعوني أو يُقضى عليهم”(23). وبالفعل خضعت لرغبته حركات وجماعات مختلفة طمعا في مكاسب السلطة ودعمها أو خوفا من بطش أردوغان وتنكيله بها.

أردوغان: “إما أن يبايعوني أو يُقضى عليهم”

لكن حركة الخدمة رفضت الخضوع لمطالب أردوغان بـ”المبايعة” لأنها ترى دائما أن أهم ما يميزها عن غيرها هو استقلاليتها، واعتمادها على نفسها ماليًّا وبشريًّا. كما تعتبر أن فقدان هذه الميزة يمثل أكبر خطر يهدد وجودها ويعرقل أنشطتها ويحولها إلى أداة لتحقيق مصالح آنية ضيقة. لقد أراد أردوغان إخضاع الخدمة لإرادته، واستثمار زخمها المجتمعي لصالح مشروعه السياسي، وتدجين قوتها بحيث لا تقف أمام طموحاته المحلية والإقليمية، كما كان يريد أن يستغل مؤسساتها التعليمية المنتشرة حول العالم ويجعل منها أداة لتلميع صورته في الداخل التركي وتسويقه في العالم الإسلامي كله بوصفه زعيمًا إسلاميًّا، بل خليفة لكل المسلمين، لكن حركة الخدمة رفضت أن تكون أداة لأي أغراض سياسية تحت أي شعار كان، فهي تعارض تسييس الإسلام واتخاذه وسيلة لتحقيق مآرب شخصية ومصالح حزبية رخيصة، وتؤمن بضرورة النشاط الحر للمجتمع المدني.

3ـ بين السيطرة على الخدمة أو القضاء عليها

لم يصرح أردوغان بأي اتهامات للخدمة قبل فضيحة الفساد التي تورط فيها أعضاء بارزون من حكومته وأفراد من عائلته في نهاية 2013، وقد ذكر الأستاذ كولن في مقابلة متلفزة أن عداء أردوغان للخدمة لم يكن وليد الأحداث بل كانت نيته مبيته للقضاء عليها منذ أن قرر تأسيس حزب العدالة والتنمية “إذا تمكن من السلطة” في حال لم تخضع الحركة له(24).

 

ونظرا لأن أردوغان زعيم سياسي براجماتي محترف ينتهز الفرص جيدا لخدمة أغراضه ومصالحه، والقضاء على منافسيه فقد اعتبر إقدام مؤسسة القضاء وأجهزة الأمن على اتهامه بالفساد والرشوة فرصة ذهبية للشروع في تنفيذ خطة مدروسة جيدا للقضاء على الخدمة بصورة تدريجية كان بدأ التمهيد لها بالفعل قبل سبع سنوات من بدء تحقيقات الفساد. فقد اعترف “عبد القدير أوزكان” مستشار رئيس الوزراء “بن علي يلدريم” بأن رئيس الأركان العامة “ياشار بويوك آنيط” أقنع أردوغان بخطر الخدمة وضرورة القضاء عليها في اجتماع عقده الطرفان في 4 مايو/ أيار 2007، وأكدا للصحفيين في ختامه “أن مضمون الاجتماع سيبقى سرًا حتى الموت، إن لم يكشف عنه الطرف الآخر!”(25)، هذه الجملة الشرطية من الطرفين كانت تشير إلى “ليّ ذراع” و”مساومة” وقعت بين رئيس المؤسسة العسكرية ورئيس السلطة السياسية خلف الستار. وهناك تسريبات دولية تؤيد ذلك(26).

مستشار رئيس الوزراء:

رئيس الأركان العامة “ياشار بويوك آنيط” أقنع أردوغان بخطر الخدمة وضرورة القضاء عليها في 4 مايو/ أيار 2007

أول من تكلم عن هذا الاجتماع التاريخي هو النائب من حزب الشعب الجمهوري “فكري ساغلار”، حيث زعم أن أردوغان وضع أمام بويوك آنيط ملفات تتضمن معلومات مكتوبة ومصورة عن أفراد عائلته(27).

في حين زعم كل من “إدريس بال”، النائب السابق من حزب أردوغان، ووزير الداخلية الأسبق “إدريس نعيم شاهين”، رفيق درب أردوغان منذ أيام رئاسته لبلدية إسطنبول، أن بويوك آنيط هو الآخر أظهر لأردوغان عديدًا من الملفات الخاصة به وبأفراد من عائلته وبعض وزرائه، ثم هدّده وطالبه بتنفيذ “المشروع” الذي يقترحه تحت إشراف “فريق خاص” مكون من الخبراء(28).

ويلفت مستشار رئيس الوزراء المذكور إلى أنه: “كان من المخطط إطلاق عمليات ضد حركة الخدمة في 2007، لكن لما انطلقت الحملات الأمنية في إطار قضية أرجنكون بعد شهرٍ من هذا الاجتماع تأجلت تلك العمليات بالضرورة إلى وقت لاحق”(29). وهذا ما أيده “بلجين بالانلي”، أحد الجنرالات المحكوم عليهم في قضية أرجنكون(30).

فيما زعم المدون التركي المشهور على تويتر “فؤاد عوني” أن أردوغان كان واثقًا من نفسه عندما ذهب إلى قصر “دولما باهتشة” للاجتماع مع رئيس الأركان، إذ كان بحوزته ملفات كفيلة بالقضاء على بويوك آنيط، لكنه أكد أن بويوك آنيط كان قد توصل إلى معلومات ووثائق صادمة في الغرفة السرية لرئاسة الأركان العامة حول الشجرة العائلية لأردوغان، وعلاقاته بالتنظيمات الراديكالية في أيام شبابه، وشبكة الرشوة والفساد التي أسسها عندما كان رئيسًا لبلدية إسطنبول(31).

ومن المعلوم أن ملاحقة الأجهزة الأمنية والقضائية لفساد أردوغان يعود تاريخها إلى بدايات الألفية الثالثة، وقبل أن يخطر على بال أحد حتى شبح “الكيان الموازي”. فهناك كثيرٌ من القضايا المرفوعة ضد بلدية إسطنبول بتهمة الفساد في المناقصات والعطاءات الرسمية وقت رئاسة أردوغان لها. واتهمت السلطات القضائية أردوغان آنذاك باستغلال وظيفته في أثناء هذه المناقصات. لكن هذه الملفات –كما هو الحال اليوم– أغلقت بشكل مؤقت مع حصول أردوغان على الحصانة القانونية بعد أن أصبح رئيس الوزراء(32).

الاتهامات الموجهة إلى أردوغان بالفساد يعود تاريخها إلى أيام رئاسته لبلدية إسطنبول

قبل عقدين من ظهور مصطلح الكيان الموازي  

تدل اعترافات مستشار رئيس الوزراء -وهو ما أيدته الأحداث اللاحقة- على أن أردوغان كان يصنف كلاًّ من عصابة أرجنكون وحركة الخدمة ضمن التهديدات التي تواجهه في طريق تأسيس نظامه الشخصي تحت مسمى “النظام الرئاسي بنكهة تركية”، لكنه كان يلاحظ أن الأولى تهديدها أخطر من الثانية؛ نظرا لامتلاكها قوة تحرك بها شتى أجهزة الدولة ضد حكومته، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية التي حذرته، والقضاء الأعلى الذي حاول إغلاق حزبه عبر المحكمة الدستورية في 2008، فانتهز مبادرة أجهزة الأمن والقضاء إلى إطلاق تحقيقات أرجنكون بعد شهر من ذلك الاجتماع فرصة مواتية لكسر أجنحة العصابة التي ترى نفسها “الدولة العميقة”، مؤجلاً تنفيذ خطة القضاء على الثانية إلى وقت لاحق منتظرًا الفرصة السانحة.

4ـ التحالف مع أرجنكون

تحالف أردوغان في البداية مع القوى المحلية والغربية “الناجحة” في الديمقراطية لـ”الوصول إلى السلطة”، ثم نقض هذا التحالف وتحول إلى التحالف مع كل من “الإسلاميين” الذين لا يؤمنون بالديمقراطية أصلاً ويعبترونها “قطارًا” يجب النزول منه في أول محطة بعد “التمكين”، والقوى الشرقية الراسبة أو الضعيفة في الديمقراطية كإيران وروسيا والصين، وذلك لـ”ضمان بقائه في السلطة حتى الأبد”. لذا نرى أن أردوغان بدأ يتخلى عن “القوة الناعمة” في الداخل والخارج بعد حصوله على دعم نصف الشعب التركي في الانتخابات البرلمانية عام 2011 وبدأ يتوجه إلى استخدام “القوة الغاشمة” مثل عصابة أرجنكون لزيادة شعبيته وتطبيق مشاريعه في الداخل والمنطقة، لدرجة أن كثيرًا من المحللين، منهم الصحفي المخضرم “علي بولاج”، كانوا يرون أن “روح أرجنكون” انتقلت إلى “جسد أردوغان” أو حلت في جسده عن طريق “التناسخ” بعد تسممّه بالقوة والسلطة، وشرع يستخدم الأساليب التي كانت تستخدمها قديمًا تلك العصابة المارقة.

لذلك لما بدأت تحقيقات الفساد والرشوة في 2013 كان أردوغان قد انتهى من وضع الإطار العام لمشروعه الكفيل بإخراجه من هذا المأزق؛ حيث أظهرت التسجيلات الصوتية لجنرالات أرجنكون المسجونين أن أردوغان وعدهم عام 2012 بإخراجهم من السجن شريطة تحالفهم معه في الفترة الجديدة. كما ذكر الجنرال “جيم عزيز تشاكماك” في المكالمة الهاتفية المسربة مع زميله الجنرال “فاتح إيلغار” أن حكومة أردوغان في صدد إعداد مشروع سيتم تنفيذه قريبًا جدًّا سيخرجون بموجبه من السجن ومن ثم سينتقمون من الذين أودعوهم السجن حتى أطفالهم ونسائهم وشيوخهم. ومن اللافت أنه كان يقول: “تركيا ستعود إلى رشدها وصوابها عبر حرب أهلية. وسترون أننا سنخرج من هذا السجن خلال عام بفضل تعديلات قانونية يجري إعدادها حاليا من قبل الحكومة. وبعد ذلك سيكون ثأرنا شديدًا من الذين حاكمونا وسجنونا، إنهم سيدخلون السجن مكاننا. فنحن سنضعهم في السجن ذاته الذي وضعونا فيه”، وكل ما ورد في هذا التسجيل الصوتي تحوّل إلى حقيقة بعد سنة، إذ اتهم أردوغان أعضاء الأمن والقضاء المشرفين على تحقيقات أرجنكون بالانتماء إلى “الكيان الموازي” وأقالهم من وظائفهم أولاً ثم اعتقلهم جميعا في فترات مختلفة.

يصف البرلماني من حزب العدالة والتنمية الصحفي الأصل “شامل طيار” حزب العمال الكردستاني

بـ”أرجنكون الكردي” في كتابه الذي يحمل هذا الاسم (33)


5ـ التحالف مع أرجنكون النسخة الكردية

من جانب آخر قوَّى أردوغان هذا التحالف بتحالف آخر عقده مع النسخة الكردية لأرجنكون، “اتحاد المجتمعات الكردستاني”، الهيئة الإدارية المدنية العليا لحزب العمال الكردستاني المسلح، الذي تصنفه تركيا ضمن التنظيمات الإرهابية، فبدأ يفرج عن المحكومين من قياداتهم واحدًا تلو آخر حتى قبل الإفراج عن جنرالات أرجنكون. ومن ثم أعلن في نهاية 2012 أنه أمر منذ فترة رئيسَ الاستخبارات “هاكان فيدان” بالتفاوض مع زعيم حزب العمال الكردستاني المحكوم عليه بالحبس مدى الحياة “عبد الله أوجلان” من أجل تأسيس السلام وحل المسألة الكردية. وكشفت “سجلات مفاوضات الاستخبارات مع أوجلان” التي حصلت عليها جريدة “مليت” ونشرت في 28 فبراير/ شباط 2013 أن هذا التحالف كان قائمًا على أساس دعم الأكراد لأردوغان في تحقيق حلمه الخاص بنقل تركيا إلى النظام الرئاسي مقابل العفو العام عن العناصر المسلحة وفرض إقامة جبرية على أوجلان بدلاً من الحبس أولاً، ومن ثم الإفراج عنه تمامًا ومنح الحكم الذاتي للأكراد في شرق تركيا(34) (35). وهذا ما أكد صحته زعيم حزب الشعوب الديمقراطي الكردي “صلاح الدين دميرتاش” في تصريحات أدلى بها للمحكمة بعد اعتقاله من قبل أردوغان عقب الانقلاب الفاشل في 2016.

من اللافت جدا أن أوجلان كان يشير إلى وجود مشكلتين أساسيتين لهما ويطالب أردوغان بحلهما بمقتضى هذا التحالف، الأول: الأنشطة التعليمية لجامعات ومدارس ومعاهد التحضير الجامعي وصالات القراءة والمطالعة لحركة الخدمة، متهمًا إياها بالحيلولة دون انضمام كوادر جديدة إلى صفوفه وعودة المنضمين إليه في أول فرصة للاستفادة من الفرص التعليمية والاقتصادية التي كانت توفرها الخدمة لزملائهم(36). وهذا يفسر سبب مبادرة عناصر العمال الكردستاني إلى إحراق بيوت الطلبة التابعة للخدمة في الولايات الشرقية خاصة.

والثاني: العمليات الأمنية التي كان ينفذها أمن ديار بكر بصورة ناجحة ضد عناصر حزب العمال الكردستاني المسلحة.

من اللافت جدا أن أوجلان كان يستخدم مصطلح “الكيان الموازي” قبل ثلاثة أشهر من إطلاق أردوغان هذا الوصف على حركة الخدمة، إذ قال أوجلان في 15 سبتمر/ أيلول 2013: “جهاز أمن ديار بكر يعمل مثل الدولة الموازية. والجماعة (حركة الخدمة) هي التي تدير هذه الدولة الموازية …”(37).

ومن اللافت للانتباه أيضًا أن أوجلان كان قد وصف تحقيقات الفساد والرشوة في 2013 بـأنها “ضربة موجهة لمفاوضات السلام الكردية”، وزعم أن “الكيان الموازي” يريد الإطاحة بأردوغان بسبب مبادرته إلى تسوية المشكلة الكردية عن طريق الحوار. وكذلك أعلن رئيس حزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين دميرتاش وقتها أن حزبه لن يوافق على إسقاط حكومة أردوغان بمثل هذه المحاولة الانقلابية(38). ورغم إظهار أوجلان فتح الله كولن وكأنه ضد مفاوضات السلام التي أطلقها أردوغان إلا أن الأخير كان قد أعلن دعمه للمفاوضات في أحد دروسه مستشهدًا بالآية الكريمة ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ وبقوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (39).

زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان وصف حركة الخدمة بـ“الكيان الموازي” قبل ثلاثة أشهر من أردوغان

6ـ معاهد التحضير الجامعي فتيل الأزمة

لقد لاقت مطالبة أوجلان بإغلاق مؤسسات الخدمة التعليمية صدى إيجابيًّا في نفس أردوغان الذي كان يخطط لإغلاق معاهد التحضير الجامعي منذ سنوات حكمه الأولى؛ إذ إن هذه المعاهد كانت تحقق نجاحات كبيرة في عملها التعليمي وكان الدارسون فيها يجتازون الامتحانات العامة بسهولة مقارنة بالآخرين، لذلك لم يستطع واحد من وزراء التعليم في حكومة أردوغان المتعاقبين الإقدام على تنفيذ هذا المخطط حتى عام 2013 لمخالفته واقع المنظومة التعليمية في تركيا وتقييده لحرية المبادرات الاستثمارية الخاصة.

وقد تعمد أردوغان إثارة نقاش حاد حول قضية إغلاق معاهد التحضير الجامعي بقوة قبيل بدء تحقيقات الفساد والرشوة، ليبدأ تطبيق خطته التي تستهدف القضاء على الخدمة وليشوش على أي ملفات فساد يمكن أن تكتشف لاحقا.

فقد اعترف أردوغان بأن جهاز الاستخبارات التركي أرسل إليه تقريرا قبل 6 أشهر من بدء تحقيقات الفساد حذره فيه من الأضرار التي يمكن أن تلحق بحكومته بسبب علاقات بعض الوزراء مع رجل الأعمال التركي الإيراني الأصل رضا ضراب(40)، الذي نشرت المعارضة وثائق تثبت أنه “جاسوس إيراني”. وإذا أضفنا إلى ذلك طبيعة الملفات السرية التي أظهرها رئيس الأركان بويوك آنيط لأردوغان خلال الاجتماع الذي ذكرنا أعلاه يتبين صحة ما نقول.

ومما يعزز ذلك أيضًا ما تسرب من تسجيلات صوتية حصلت عليها الشرطة الألمانية في إطار تحقيقات جواسيس أردوغان على الأراضي الألمانية عام 2014، فقد تساءل المدعو “د.هونكار” مع المتهم “أحمد دوران يوكسل” في مكالمة هاتفية جرت بينهما بعد 3 أيام من بدء عمليات الفساد والرشوة في 17 ديسمبر/ كانون 2013: “ما الذي يجب أن نفعله؟ لا بد من وجود كبش فداء للتخلص من هذه الاتهامات”، فرد عليه يوكسل قائلاً: “كبش الفداء موجود. لقد تم اختيار فتح الله كولن. إنه سيتعب كثيرًا. وسيتم تصفية وفصل 17 ألفا من رجال الشرطة في هذا الإطار”(41).

وبعد تكشف فضائح الفساد والرشوة في نهاية 2013 بدأ أردوغان يهاجم الخدمة بشراسة في جميع خطاباته معبرًا عنها بمصطلح “الكيان الموازي” أو “الدولة الموازية”، وقد بدا هذا الاصطلاح غريبًا على الشارع التركي، فأردوغان لم يستخدمه من قبلُ في حق حركة الخدمة، بل لم يتخذ موقفًا سلبيًّا -في العلن على الأقل– من هذه الحركة طيلة عقد كامل من حكمه، إن استثنينا الخلاف المصطنع حول إغلاق “معاهد التحضير الجامعي”، مما تسبب في حالة من الارتباك وانقسام الشعب تبعًا لذلك بين مؤيد لأردوغان في أطروحته ومعتبرٍ الكيان الموازي “حقيقة”، ومعارض له ومعتبرٍ إياه “تمويهًا” يصدره أردوغان لشعبه ليتستر على فساد حكومته ويستخدمه ذريعة لتصفية معارضيه.

7ـ وقفة مع مصطلح “الكيان الموازي”

كان “يالتشين أكدوغان” كبير مستشاري أردوغان هو مَن استعار مصطلح الكيان الموازي من مخترعه لأول مرة عبد الله أوجلان، وأعاد طرحه مجددًا بعد بدء تحقيقات الفساد، ليصف به حركة الخدمة، نظرًا لأنه كان ضمن مهندسي مفاوضات السلام مع العمال الكردستاني. فقد زعم قائلاً: “هناك كيان موازٍ توغل في أعماق الدولة خطط للانقلاب على حكومة أردوغان من خلال تزوير أدلة إدانة وإلصاقها بالوزراء، تمامًا مثلما نصب مؤامرة للجيش التركي لاعتقال كبار الجنرالات في إطار قضية أرجنكون”، وذلك على الرغم من إقالة أردوغان كل الوزراء المتهمين بالفساد.

ومن المفارقة أن أكدوغان ذاته هو الذي اعترض بشدة على إلصاق مصطلح الكيان الموازي بحركة الخدمة قبل عام كامل من بدء تحقيقات الفساد. فبعدما استدعت النيابة العامة في 7 فبراير/ شباط 2012 رئيس الاستخبارات التركية هاكان فيدان للتشاور حول انخراط بعض عناصر الاستخبارات في صفوف حزب العمال الكردستاني والمشاركة معهم في أعمال إرهابية، إضافة إلى إطلاق سراح رجالٍ تم اعتقالهم على أنهم إرهابيون بحجة أنهم “رجال الاستخبارات” صرح قائلا: “لن أسمح بتشكيل دولة موازية داخل الدولة”، وهنا علق بعض الكتاب الصحفيين من أمثال “أمره أوسلو” و”آرزو يلديز” على هذا التصريح بالقول: “إنه يقصد بالدولة الموازية حركة الخدمة”(42). فانبرى أكدوغان مدافعًا عن الخدمة وكتب حينها مقالاً باسمه المستعار “ياسين دوغان” بعنوان “نحن مدركون للعبة” نفى فيه وقوف الخدمة وراء هذه الحادثة التي اعتبرها إعلامُ أردوغان “تدخلًا في سياسة الحكومة الخاصة بمفاوضات السلام الكردية مع أوجلان”. ففي المقال الذي نشرته صحيفة “يني شفق” الموالية للحكومة في صفحتها الرئيسية تحت عنوان “بالتأكيد ستفشل هذه اللعبة”، أكد على “عدم وجود أي صراع بين حزب العدالة والتنمية وحركة فتح الله كولن، كما تصوّره بعض الأطراف ووسائل الإعلام في أعقاب استدعاء رئيس جهاز المخابرات فيدان”. وأضاف “من غير الممكن أن يسود صراع أو نزاع في مجال السلطة والإدارة بين مجموعتين تسعيان إلى تقديم خدمات إلى شعبهما في مجالين مختلفين”، ثم لفت إلى أهمية “الأخوّة والتضامن بين المجموعتين اللتين تجمع بينهما المثل العليا الخالدة وليس المنافع والمصالح العابرة”. كما شدد على أن آمال من يسعون إلى “إثارة الفتنة والبغضاء والعداوة بين الحكومة برئاسة أردوغان ومؤيدي حركة الخدمة بقيادة كولن لن تتحقق على الإطلاق، ولن يكون الطريق معبدًا أمام الحاقدين والحاسدين لتنفيذ مخططاتهم المنحوسة”(43).

ومن المثير للدهشة أن صحيفة يني شفق حذفت رابط هذا المقال بعد ما اشتدت الأزمة بين الخدمة وحزب أردوغان إلا أن نصه موجود في الرابط الذي ذكرناه ومئات من المواقع الإلكترونية الأخرى.

ويبدو أن هذا الانفعال الذي أبداه أكدوغان متمثلا في نفي ما ردده هؤلاء الصحفيون كان محاولة لحجب تكشف السيناريو الذي حاكوه خلف الأبواب المغلقة مع حليفيهم الجديدين أرجنكون وحزب العمال الكردستاني قبل أوانه.

kanun

مقالات ذات صله