أنقرة (زمان التركية)- عدّل بنك “جي بي مورغان” (JPMorgan)، أكبر المصارف الأمريكية، نظرته المستقبلية وتوصياته الاستثمارية بشأن سندات الشركات التركية نحو الخفض.
وأشار البنك في تقريره الأخير إلى أن تصاعد حدة التوترات الجيوسياسية، والقفزة المحتملة في أسعار الطاقة، إلى جانب التطورات السياسية المحلية والمخاوف من دخول البلاد في نفق مسار انتخابي جديد؛ كلها عوامل تساهم في مضاعفة حجم المخاطر المحيطة بالاقتصاد التركي.
وجاء هذا التقييم الصادم ضمن تقرير منتصف العام الذي أصدره البنك الأمريكي حول منطقة “سييميا” (CEEMEA) -التي تضم وسط وشرق أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا-. حيث أفاد المصرف بأن مؤشرات المخاطر الخاصة بسندات الشركات التركية قد شهدت تراجعاً ملحوظاً، مما دفعه إلى تبني نهج أكثر حذراً تجاه السندات التركية ذات العوائد المرتفعة، وتوجيه التفضيلات الاستثمارية نحو أدوات مالية قصيرة الأجل وأقل خطورة.
ووفقاً للتقرير، فإن التطورات الجيوسياسية المرتبطة بإيران تلعب دوراً محورياً في صياغة تقييم المخاطر الحالي لتركيا.
وأوضح البنك أن الارتفاع المتوقع في أسعار الطاقة يشكل ضغطاً خانقاً على معدلات التضخم وميزان الحساب الجاري، فضلاً عن تأثر شهية المستثمرين سلباً بالتحركات السياسية على الساحة المحلية.
ولم تقتصر التحذيرات على الاقتصاد الكلي؛ بل امتدت لتشمل قطاعات حيوية بعينها، حيث أشار التقرير إلى أن انخفاض أسعار الكهرباء يفرض ضغوطاً متزايدة على شركات الطاقة المتجددة، في حين ألحقت الأمطار الغزيرة أضراراً بقطاع الأسمنت، بينما يظل قطاع الطيران مهدداً بالخسائر جراء الارتفاع المستمر في أسعار النفط.
كما ساهمت التطورات التشغيلية الأخيرة في بعض المجموعات الكبرى، مثل “زورلو للطاقة” (Zorlu Enerji) و”فيستيل” (Vestel)، في إرباك حسابات المستثمرين والضغط على الأداء العام للسندات التركية.
وفي قراءة تحليلية للمؤشرات المالية، دق “جي بي مورغان” ناقوس الخطر بشأن الحساب الجاري التركي، مبيناً أن العجز الممتد لـ 12 شهراً بدأ يسلك مساراً تنازلياً وتدهوراً واضحاً منذ منتصف عام 2024، ليصل بحلول شهر مارس إلى قرابة 40 مليار دولار.
ومع أخذ حركة المحافظ الاستثمارية وبند صافي السهو والخطأ في الحسبان، فإن التوازن الأساسي سجل عجزاً يعادل 4.3% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي أرقام مرشحة للتفاقم في ظل أزمة تكاليف الطاقة الحالية.
كما لفت التقرير الانتباه إلى عودة شبح “الدولرة” (التحول نحو العملات الأجنبية) خلال الفترات التي تسبق الانتخابات.
ورغم أن السياسات النقدية الراهنة وبيئة الفائدة المرتفعة نجحتا في كبح جماح التوجه نحو النقد الأجنبي بشكل كبير، إلا أن البنك يرى أن المواطنين قد يميلون مجدداً للاحتفاظ بالدولار مع اقتراب أي استحقاق انتخابي، بناءً على تجارب وسلوكيات رُصدت في فترات سابقة، مما يستدعي مراقبة وثيقة للضغوط المحتملة على أسعار الصرف.
وكانت المفاجأة الأبرز في التقرير هي تداول خبراء الأسواق لاحتمالية إجراء “انتخابات مبكرة” داخل تركيا خلال عام 2026.
ويتوقع البنك أنه في حال التوجه إلى الصناديق، قد تلجأ الإدارة الاقتصادية إلى اتخاذ خطوات تحفيزية لدعم الأسواق.
ورغم هذه الفرضية، أشاد البنك بحرص الإدارة الاقتصادية وعزمها على حماية استقرار العملة المحلية، متوقعاً أن تحافظ الليرة التركية على تماسكها ووضعها المستقر خلال الجزء الأكبر من العام حتى في حال اتخاذ قرار إجراء الانتخابات.
وفي الختام، وعلى الرغم من أن “جي بي مورغان” قد قلص جزئياً نظرته الإيجابية طويلة الأمد تجاه الليرة التركية، إلا أنه لم يرسم مشهداً سوداوياً قاتماً على المدى القصير، مؤكداً أن العملة التركية لا تزال تحظى بدعم نسبي أمام المخاطر الحالية، لكنه يفرض على المستثمرين ضرورة مراقبة الأسواق عن كثب وجدية تامة.


















