أنقرة (زمان التركية)- أفادت صحيفة “إل بايس” (El País) الإسبانية أن التحول المحتمل في قيادة حزب الشعب الجمهوري (CHP) بموجب قرار قضائي، يحمل في طياته خطر تقسيم المعارضة التركية، وقد يُعقّد من فرص ظهور بديل قوي في مواجهة الرئيس رجب طيب أردوغان.
وأوضحت الصحيفة في تقرير تحليلي لها أن هذه التطورات تأتي في سياق يبرز طبيعة العلاقة بين القضاء والسياسة في تركيا، والضغوط المتزايدة التي تتعرض لها المعارضة، فضلاً عن تقليص صلاحيات الإدارات المحلية.
وأشارت الصحيفة الإسبانية إلى أن قرار محكمة في أنقرة بإلغاء المؤتمر العام لحزب الشعب الجمهوري المنعقد عام 2023 ــ والذي انتُخب فيه أوزغور أوزيل رئيساً للحزب ــ وإعادة رئيس الحزب السابق كمال كليجدار أوغلو إلى منصبه، قد تسبب في انقسام داخلي عميق، من شأنه أن يضعف حظوظ المعارضة في الانتخابات المقبلة.
وجاء في التحليل الإخباري للصحيفة: “إن هذه الخطوة تمثل، في نظر العديد من المحللين، حلقة جديدة في استراتيجية الرئيس أردوغان الرامية إلى قمع أي بديل حيوي وقادر على منافسته. فأردوغان، الذي أعاد تشكيل الدولة على مدار أكثر من عقدين وفقاً لرؤيته وفلسفته الخاصة، يحاول الآن صياغة معارضة موالية وتفصيلها على مقاسه الخاص”.
وفي المقابل، أوردت الصحيفة أن زعيم الحزب المقال، أوزغور أوزيل، بدأ في تنظيم مسيرات جماهيرية حاشدة في مختلف أنحاء البلاد، داعياً إلى عقد مؤتمر عام طارئ، ومؤكداً على ضرورة أن تُحدد القيادة بناءً على إرادة القواعد الحزبية لتمكين الحزب من الاستعداد مجدداً للاستحقاقات الانتخابية.
كما لفتت “إل بايس” إلى أنه في أعقاب فوز حزب الشعب الجمهوري بالبلديات الكبرى في الانتخابات المحلية الأخيرة، تعرض العديد من رؤساء البلديات والمسؤولين المحليين المنتمين للحزب لتحقيقات قضائية بتهم تتعلق بالفساد والإرهاب.
ورغم هذه الضغوط، تشير استطلاعات الرأي إلى صعود أسهم الحزب في الشارع التركي، حيث يُنظر إلى مرشحيه الرئاسيين المحتملين كبدائل قوية.
وفي هذا السياق، ذكّرت الصحيفة بالملفات القضائية المتعددة المرفوعة ضد رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، وتوقيفه قبيل الانتخابات التمهيدية لمرشحي الرئاسة، بالإضافة إلى إلغاء شهادته الجامعية بقرار إداري.
ونقلت عن مراقبين تأكيدهم أن هذه الإجراءات لا يمكن اختزالها في إطار قانوني بحت، بل تُمثل الحلقة الأحدث في سلسلة التضييق الممنهج على المعارضة في تركيا.
وفي سياق متصل، ذكرت الصحيفة أن الحكومة التركية عمدت في السنوات الأخيرة إلى تقليص صلاحيات البلديات التي تديرها المعارضة عبر حزمة من التعديلات القانونية والإدارية.
وشملت هذه الخطوات نقل تبعية بعض الأوقاف والأصول التابعة للبلديات إلى الإدارة المركزية، إلى جانب إجراء تغييرات في مخططات الإعمار وتراخيص البناء، مما أدى إلى تضييق مساحة الحركة والمناورة أمام الحكومات المحلية.
وفي تصريح للصحيفة، اعتبر مقرر البرلمان الأوروبي الخاص بتركيا، ناتشو سانشيز أمور، أنه من غير الممكن وصف إلغاء المؤتمر العام لحزب الشعب الجمهوري بأنه “مسار قضائي مجرد ومستقل”.
وأضاف سانشيز أمور أنه يرى في هذه الخطوة “تنسيقاً مطلقاً بين الجهاز القضائي والمصالح السياسية لحزب العدالة والتغليف الحاكم”.
وانتقد المسؤول الأوروبي رهن قرار عقد مؤتمر عام جديد بمسارات التقاضي، قائلاً: “في نهاية المطاف، فإن القرار بشأن ما إذا كان حزب المعارضة الرئيسي في وضع يسمح له بالتنافس في الانتخابات أم لا، سيبقى مجدداً في يد حزب العدالة والتنمية والسلطة السياسية الحاكمة في البلاد”.
كما أشارت “إل بايس” إلى وجود عدد كبير من ملفات رفع الحصانة البرلمانية التي تستهدف بشكل أساسي نواب المعارضة في البرلمان، مذكّرة باستمرار احتجاز العديد من الأسماء السياسية البارزة لفترات طويلة، وفي مقدمتهم الرئيس المشترك السابق لحزب الشعوب الديمقراطي، صلاح الدين دميرتاش.
من جانبه، علّق الأكاديمي والصحفي السابق بجامعة أكسفورد، إزغي باشاران، في حديثه للصحيفة، معتبراً أن أردوغان يسعى منذ عام تقريباً إلى إضعاف القوة السياسية الوحيدة القادرة على هزيمته في صناديق الاقتراع.
وختم باشاران تحليله قائلاً: “إن الفارق الجوهري بين الأنظمة السلطوية التنافسية والأنظمة السلطوية الكاملة، يكمن في وجود فرصة للمعارضة للفوز بالانتخابات رغم غياب تكافؤ الفرص؛ أما تركيا، فهي تعمل على القضاء على هذا الاحتمال تماماً عبر استخدام سلاح القضاء”.



















