القاهرة (زمان التركية)ــ قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، القائد الأعلى للقوات المسلحة المصرية، في خطاب ألقاه يوم السبت خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية الجديد للبلاد في العاصمة الإدارية الجديدة: “مصر ملتزمة بالسلام لمن يريد السلام”.
وقال السيسي إن المنشأة الجديدة تعزز التخطيط والتنسيق المتكاملين في جميع أنحاء القوات المسلحة، مع تحسين الجاهزية القتالية من خلال التقنيات المتقدمة لحماية المصالح الاستراتيجية لمصر.
ووصف السيسي حفل الافتتاح بأنه “تجسيد حي للجمهورية الجديدة”، مؤكداً أن “حدود مصر خط أحمر يحميه إرادة شعبها” وأن “حماية الوطن مسؤولية لا تتسامح مع أي إهمال”.
وأضاف أن مقر القيادة الاستراتيجية سيظل بمثابة “شاهد دائم على إرادة أمة لا تعرف المستحيل”.
كما أكد الرئيس مجدداً أن الدولة “لن تسمح أبداً بأن يلحق أي ضرر بقدرات شعبها”، واصفاً ثورة 30 يونيو بأنها “صرخة من أجل العدالة” أظهرت تصميم المصريين على حماية دولتهم وتأمين مستقبلها على الرغم من التحديات المتزايدة.
في بداية خطابه، هنأ الرئيس السيسي الشعب المصري على مشاركة المنتخب الوطني لكرة القدم في كأس العالم، قائلاً: “أتقدم بأحر التهاني والتبريكات للشعب المصري على نجاح المنتخب الوطني في كأس العالم. إنه يوم جميل، ونسأل الله أن يباركنا جميعاً”.
وقبل إلقاء كلمته، أمر أيضاً بعزف “تحية الشهداء”، واصفاً المناسبة بأنها “واحدة من الأيام التي لن ننساها أبداً في تاريخ مصر”.
وقال السيسي إن مقر القيادة الاستراتيجية يمثل “قفزة نوعية” للدولة بفضل بنيته التحتية المعلوماتية المتقدمة، واصفاً المنشأة بأنها عنصر أساسي في نظام القيادة العسكرية الحديثة في مصر.
القضية الفلسطينية
قال الرئيس السيسي إن خبرة مصر الطويلة في الشؤون الإقليمية، بما في ذلك كونها “أول دولة تبرم اتفاقية سلام مع إسرائيل في وقت كانت فيه العداوة متأصلة بعمق”، قد شكلت رؤيتها لحل النزاعات في الشرق الأوسط.
وأكد مجدداً أن “الحل الأساسي لصراعات المنطقة يكمن في تحقيق سلام شامل وعادل” يحل القضية الفلسطينية من خلال إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، وفقاً للشرعية الدولية.
وقال السيسي: “لا يمكن أن يكون هناك سلام دائم، ولا استقرار حقيقي، ولا تطبيع شعبي دون سلام عادل ينهي الاحتلال، ويضع حداً للظلم والعدوان، ويعيد الحقوق لأصحابها، ويضمن الأمن للجميع، ويمنح شعوب المنطقة فرصة العيش في ازدهار مع فتح عهد جديد من التعاون والتنمية”.
وقال الرئيس إن مصر سعت باستمرار إلى “تجنب إراقة الدماء طوال الأزمات التي أثرت على المنطقة”.
وأعرب عن تقديره لجهود السلام التي بذلها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي قال إنها أدت إلى اتفاق شرم الشيخ لإنهاء الحرب الإسرائيلية في غزة، وكذلك الاتفاق الذي أوقف الصراع مع إيران.
وفي هذا السياق، شدد السيسي على ضرورة دعم الاتفاقيتين وضمان تنفيذهما بالكامل، داعياً إلى بذل الجهود لمنع “أي محاولات لتقويضهما أو التحايل عليهما أو عرقلتهما”.
ثورة 30 يونيو
وقال الرئيس أيضاً إن ثورة 30 يونيو أكدت أن “مصر لا يمكن أن يحكمها إلا أبناؤها”، مشدداً على أن الدولة “لن تسمح أبداً بأي ضرر يلحق بقدرات شعبها”.
وأضاف أن مصر “تعمل بعزم على بناء الدولة الحديثة، وهي عملية تتطلب تضحيات من الجميع”، وتعهد بأن البلاد ستواصل “بعزيمة لا تلين” مواصلة مسارها التنموي.
وقال السيسي إن تحسين مستويات معيشة المواطنين سيظل من بين أهم أولويات الحكومة، معلناً عن إعداد برنامج وطني لتخفيف الأعباء الاقتصادية على المصريين.
قال السيسي إن مصر تجاوزت بنجاح الفترة المضطربة التي أعقبت ثورة 2011، مؤكداً على أهمية استذكار الأحداث التي أدت إلى ثورة 30 يونيو. وأضاف: “من المهم جداً أن نستذكر، بتفصيلٍ ما، أحداث الفترة من 2011 إلى 30 يونيو”، مشيراً إلى أن “مشيئة الله حمت مصر من الدمار والفوضى”.
وقال أيضاً إن التوفيق الإلهي كان له دور في الحفاظ على البلاد خلال تلك الفترة. وأضاف: “لقد ألهم الله الشعب للخروج إلى الشوارع، وألهمنا لاتخاذ قرارات حمت بلادنا وحمتها من أولئك الذين سعوا إلى إلحاق الضرر بها”.
وأوضح السيسي أنه كثيراً ما يعود إلى أحداث عام 2011 لأن تلك الفترة لا تزال تقدم دروساً مهمة لمصر.
قال: “يسألني البعض لماذا ما زلت أتحدث عن أحداث عام 2011 بعد مرور 15 عاماً. أفعل ذلك لأن الله حمى مصر، بينما لا تزال دول أخرى في المنطقة واجهت ظروفاً مماثلة تعاني من عواقبها حتى اليوم”.
قال السيسي إن التكلفة الاقتصادية للاضطرابات لا تزال باهظة، مشيراً إلى أن الدولار الأمريكي ارتفع من حوالي 6 جنيهات مصرية عام 2011 إلى حوالي 50 جنيهاً مصرياً اليوم. وأضاف أن هذه الأحداث كلّفت الدولة ما يقارب 450 مليار دولار، قائلاً: “جميعنا ندفع الثمن”.
العاصمة الإدارية الجديدة
قال الرئيس السيسي إن إنشاء مقر القيادة الاستراتيجية المصرية ونقل المؤسسات الحكومية الرئيسية إلى العاصمة الجديدة يهدف إلى حماية قدرة الدولة على العمل أثناء الأزمات، مستشهداً بحصار العديد من المؤسسات الحكومية خلال الاضطرابات التي أعقبت انتفاضة عام 2011.
قال السيسي إن مركز القيادة الجديد أُنشئ لضمان إدارة فعّالة للأزمات تحت الضغط. وأضاف: “هذه القيادة الاستراتيجية مُخصصة لإدارة الأزمات مهما كانت طبيعتها”، محذراً من أن القرارات المتخذة تحت ضغط وخوف شديدين “قد تؤدي أحياناً إلى أضرار ودمار كبيرين”.
وأشار الرئيس إلى أن المحكمة الدستورية العليا ومقر مجلس الوزراء ووزارة الدفاع ومدينة الإنتاج الإعلامي قد تعرضت جميعها للضغط أو الحصار خلال تلك الفترة.
وقال: “كان على الدولة أن تغادر العاصمة حتى لا يتكرر هذا الأمر أبداً”، مضيفاً أن “أولئك الذين يسعون إلى إلحاق الضرر بمصر والإرهابيين لن يتوقفوا”، مما يجعل من الضروري على الدولة تعزيز مؤسساتها واستعدادها.
وقال السيسي إن العاصمة الجديدة، التي تضم مؤسسات الدولة الرئيسية إلى جانب مقر القيادة الاستراتيجية، تم تصميمها لضمان استمرارية مؤسسات الدولة ومنع حدوث اضطرابات مماثلة في المستقبل.
وأشار الرئيس السيسي إلى أن حرب مصر ضد الإرهاب، التي بدأت في عام 2012، كلفت البلاد “عشرات ومئات المليارات من الجنيهات” بالإضافة إلى أرواح العسكريين والمدنيين، مع هجمات استهدفت المسلمين والمسيحيين والمساجد والكنائس والمؤسسات الحكومية.
وقال إن استذكار تلك الأحداث كان ضرورياً “لاستخلاص العبر حتى لا تتكرر مثل هذه الأخطاء أبداً، ويبقى علم بلادنا مرفوعاً دائماً”.
حث الرئيس المسؤولين الحكوميين والإعلاميين والمثقفين والشباب على إدراك “خطورة أي إجراء من شأنه أن يزيد من سوء أوضاع الناس بدلاً من تحسينها”.
كما دعا مسؤولي الولاية إلى التواصل بشكل أكثر انفتاحاً مع الجمهور، قائلاً: “تحدثوا إلى الناس بوضوح تام. لا تترددوا”.
المستقبل
أعلن الرئيس السيسي أن مصر ستشهد قريباً تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة الثانية من محطة الضبعة للطاقة النووية، واصفاً المشروع بأنه “أحد أبرز نتائج الشراكة الاستراتيجية مع روسيا”.
وقال السيسي إن هذا الإنجاز سيمثل مزيداً من التقدم في تنفيذ أول محطة طاقة نووية في مصر، ووجه الشكر للقيادة الروسية لمشاركتها في بناء المشروع مع البلاد.
وجه الرئيس السيسي الحكومة بإعداد برنامج وطني لانتخابات المجالس المحلية، وتوسيع نطاق الأحزاب السياسية والحوار السياسي، واتخاذ تدابير أكثر صرامة لمكافحة الفساد، مع دعوة المسؤولين إلى تعزيز التواصل المباشر مع المواطنين.
وأكد أن مصر “تعمل بكل قوتها وعزيمتها وإصرارها على بناء الدولة الحديثة”، واصفاً العملية بأنها جهد وطني طويل الأمد يتطلب تضحيات والتزاماً مستمراً من جميع شرائح المجتمع.
وأشار السيسي إلى أن الوحدة والعمل الجاد يظلان “السبيل الوحيد للتقدم”، محذراً من أن البديل هو “الركود والتراجع” في منطقة تتسم بتزايد التحديات وتضارب المصالح.
التغلب على التحديات
وقال الرئيس إن مصر واجهت سلسلة من الأزمات الاستثنائية، بدءاً من الفترة بين عامي 2011 و2014، تلتها الحرب ضد الإرهاب، وجائحة كوفيد-19، وتداعيات الحرب في أوكرانيا، والحرب في غزة، ومؤخراً الصراع الذي تورطت فيه إيران.
وقال إن هذه التطورات فرضت تكاليف اقتصادية باهظة على مصر، بما في ذلك خسائر تتجاوز 10 مليارات دولار في عائدات قناة السويس بسبب الهجمات على الملاحة في مضيق باب المندب، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، واضطرابات سلسلة التوريد، ووصول ملايين النازحين.
وعلى الرغم من هذه التحديات، قال السيسي: “لقد ظلت مصر، وستظل، ملاذاً آمناً ومستقراً في منطقة مضطربة”، مضيفاً أن القاهرة عملت بلا كلل لإنهاء الصراعات، والحد من التصعيد، و”تجنب إراقة الدماء” في جميع أنحاء المنطقة.
قال الرئيس السيسي إن ثورة 30 يونيو كانت “ثورة ضد الإرهاب والتطرف” وكذلك “ثورة من أجل البناء والتحديث”.
ووصفها بأنها “ثورة شعبية” لتحقيق حلم تأسيس الجمهورية الجديدة – “مصر حديثة صناعية وزراعية ومتقدمة وجاذبة للاستثمار ورائدة في التعليم والرعاية الصحية والخدمات العامة، مع كوادر وطنية مؤهلة”.
وقال السيسي إن المصريين يطمحون إلى بناء “دولة تليق بتاريخ مصر القديم والمكانة التي تستحقها بين الأمم”.
وأضاف الرئيس أنه منذ اليوم الأول لتوليه منصبه، رفض تأخير جهود التنمية، وبدلاً من ذلك سعى إلى تحقيق التنمية الوطنية جنباً إلى جنب مع مكافحة الإرهاب.
وقال: “كان هدفنا أن تواصل مصر مسيرتها نحو المستقبل دون تأخير وأن تعوض بعض ما فاتها على طريق التقدم”.
واختتم الرئيس حديثه بالتأكيد على أن مصر ستواصل “بعزيمة لا تلين وإرادة لا تلين” مسيرة التنمية وتوطيد أسس الدولة الحديثة باعتبارها “خياراً استراتيجياً لا رجعة فيه”.



















