أنقرة (زمان التركية)- تستعد العاصمة التركية أنقرة لاستضافة قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في نسختها السادسة والثلاثين، والمقرر عقدها يومي 7 و8 يوليو 2026.
ومع اقتراب موعد الانطلاق، تحولت المدينة إلى ما يشبه أجواء “حالة الطوارئ”.
وفي الوقت الذي رحب فيه قطاع من المواطنين بالاستثمارات الضخمة في البنية التحتية والترتيبات البروتوكولية الفاخرة واصفين إياها بأنها “استعراض لقوة الدولة”، أثار إغلاق الطرق الرئيسية، وعزل المحال التجارية خلف حواجز حديدية، نقاشاً حاداً حول انتهاك الحقوق في المساحات العامة والتسبب في خسائر اقتصادية فادحة للأهالي.
وكشفت جولة ميدانية أجرتها إذاعة “بي بي سي التركية” شملت مختلف أنحاء العاصمة – من متنزه “كوغولو” في قلب المدينة إلى طريق “إيسينبوغا” البروتوكولي، ومن منطقة “أولوس” التاريخية إلى مزرعة “أتاتورك” – أن أنقرة تمر بتحول استثنائي وطوق أمني غير مسبوق غير ملامحها بالكامل بعد أسابيع من العمل المتواصل؛ مما ترك الشارع التركي منقسماً بين مؤيد لضرورات الأمن ومعارض للقيود الصارمة.
وفي سياق التدابير الأمنية، أعلنت مديرية أمن أنقرة عن نشر 56 ألف عنصر أمن لتأمين فعاليات القمة، وهو ما تسبب في شلل مروري مسبق أثار حفيظة السكان.
وفي مقابلات ميدانية، عبّر المواطنون عن تباين آرائهم؛ حيث قال إرين كاراباي، الذي خضعت سيارته للتفتيش عند نقطة شرطة أمام متنزه “كوغولو”: “أرى أن هذه الإجراءات إيجابية، فنحن نشعر بأمان أكبر بفضل هذه التدابير”.
في المقابل، انتقد مواطن آخر آثر عدم كشف هويته هذا الحصار المروري قائلاً: “هذا يعيق الحياة اليومية؛ لن يتمكن المريض من الذهاب إلى المستشفى، ولن يستطيع أحد إنجاز عمله. كمسلم، أشعر بالخجل من هذا الوضع”.
وشاطره المتقاعد جمال دال الرأي متسائلاً: “ليس من الصواب أن تٌعطل مصالحنا وتنقلاتنا لمجرد أن هناك وفوداً قادمة”. ومن جانبه، اعتبر هيجان إراسلان، الطالب في جامعة بيلكنت، أن “إغلاق الطرق يقود المدينة إلى حالة طوارئ فعلية تضر بالمدينة وبجميع سكانها”.
وعلى الصعيد المعيشي، اشتكى سائق الأجرة هاكان أوزيربيل من حظر العمل لثلاثة أيام قائلاً بسخط: “يقولون لنا لا تأتوا، سنغلق الطرق، لا تعملوا. لكن الجميع هنا مثقلون بالديون، فكيف نتوقف؟”
ومن أكثر الإجراءات إثارة للجدل، قيام السلطات بوضع لوحات وحواجز عملاقة تحجب جانبي “الطريق البروتوكولي” (شارع تورغوت أوزال) الواصل بين مطار إيسينبوغا ووسط المدينة.
ومع انتشار اتهامات تفيد بأن هذه الحواجز وضعت لإخفاء البيوت العشوائية والمباني غير الجمالية عن “أعين القادة والزعماء”، سارع مركز مكافحة التضليل الإعلامي لنفي ذلك، مؤكداً أن الإجراء يندرج ضمن “المعايير الدولية للتدابير الأمنية واللوجستية”.
غير أن أصحاب المحال التجارية في المنطقة أكدوا أن هذه الحواجز الممتدة منذ شهر دفعتهم إلى حافة الإفلاس؛ حيث قال التاجر أوميت بودور: “لدينا التزامات، وإيجارات، ورواتب موظفين. لو كان الأمر لعدة أيام لقبلنا به، لكن الوضع مستمر منذ شهر ولا نعرف كيف نخرج من هذه الأزمة”.
وأضاف الجزار محمود كيسر: “لقد أصبحنا نقبع داخل قفص، ولا يمكننا البيع، كما أن الحواجز تشكل خطراً كبيراً على المشاة وقد تتسبب في حوادث دهس”.
ويأتي هذا في وقت أعلنت فيه ولاية أنقرة بشكل قاطع عدم دفع أي تعويضات مادية للمتضررين، على النقيض مما حدث في قمة الناتو السابقة بهولندا عام 2025 حين تم تعويض التجار عن خسائرهم.
من جهة أخرى، كشفت عمليات سفلتة الطرق السريعة المكثفة في منطقة الفنادق بحي “تشانكايا” عن مفارقة طريفة؛ إذ علّق سائق الأجرة هاكان أوزيربيل قائلاً: “لحسن الحظ أن الناتو قادم! لقد أصبحت الشوارع ناعمة كالمرآة بعد أن كانت الحفر تدمر سياراتنا. لكن السؤال: هل كان يجب أن يزورنا الناتو لنحصل على شوارع نظيفة؟”.
ورداً على هذه الانتقادات، صرّح رئيس بلدية أنقرة الكبرى، منصور يواش، بأن انتقادات المواطنين تعتبر موجِّهة ومفيدة، مؤكداً أنه أصدر توجيهات للفرق الفنية بضرورة تنفيذ الخدمات بعناية وكفاءة أعلى مستقبلاً.
ولم تسلم القمة من الانتقادات التنموية والحقوقية؛ حيث واجه مطار أنقرة الجديد في منطقة “إيتيمسغوت” – الذي افتتحه الرئيس أردوغان في 15 يونيو الماضي لخدمة طائرات الرؤساء فقط، وفي مقدمتها طائرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “إير فورس ون” – هجوماً لاذعاً من المعارضة وغرفة مخطط المدنيين التابعة لاتحاد غرف المهندسين والمعماريين الأتراك (TMMOB)، واصفين إياه بأنه “تبديد صارخ للموارد العامة”.
وعلى الصعيد الحقوقي، أثارت حملة الاعتقالات التي طالت مئات الأشخاص بناءً على “معلومات استخباراتية” دون وجود أدلة مادية ملموسة، مخاوف الأوساط القانونية التي اعتبرت الإجراء سلبًا فعليًا للحقوق القانونية.
ومع فرض حظر تام على كافة أشكال التظاهر، وتوزيع المنشورات، وتعليق اللافتات في الفترة من 28 يونيو وحتى 10 يوليو، تدخل أنقرة مرحلة جرى فيها تعليق الحقوق الديمقراطية مؤقتاً من أجل قمة ستستغرق يومين فقط.



















