أنقرة (زمان التركية)- تواصل شركة “ستارلينك” لخدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، والمملوكة للملياردير إيلون ماسك، مساعيها الدؤوبة لدخول السوق التركية.
ورغم اللقاءات المكثفة التي يعقدها مسؤولو شركة “سبيس إكس” (SpaceX) في أنقرة، إلا أن الحكومة التركية لم تمنح الضوء الأخضر بعد للمضي قدماً في إجراءات الترخيص، وذلك بسبب مخاوف أمنية هائلة.
وتصر “ستارلينك” على التواجد في تركيا، حيث كثف مدراؤها التنفيذيون وتيرة اتصالاتهم مع العاصمة أنقرة؛ غير أن التحفظات الأمنية التركية لا تزال تقف حائلاً دون إصدار الترخيص المطلوب حتى الآن.
وقد عاد ملف “ستارلينك”، الذي بات أحد أكثر العناوين حساسية في سوق إنترنت الأقمار الصناعية بتركيا، إلى الواجهة مجدداً بالتزامن مع قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة، واللقاء المرتقب بين الرئيسين رجب طيب أردوغان ودونالد ترامب.
وكانت “سبيس إكس” قد تقدمت بطلب رسمي إلى هيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التركية (BTK) عام 2023 لبدء خدماتها، لكن الطلب لا يزال حبيس الأدراج.
تبذل شركة “سبيس إكس” جهوداً متواصلة لضمان عمل منظومة “ستارلينك” داخل الأراضي التركية، حيث يجري مسؤولو الشركة زيارات دورية إلى أنقرة، فضلاً عن عقد بعض الاجتماعات عبر الإنترنت، للمطالبة بإدراج تركيا ضمن نطاق التغطية النشط واستكمال إجراءات الترخيص.
في المقابل، تتعامل أنقرة بحذر شديد مع هذا الملف، مدفوعةً بهواجس تتعلق بآليات الرقابة على الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، وأمن البيانات، والأمن القومي، ومدى تأثير هذه التقنية على البنية التحتية المحلية للاتصالات.
توفر “ستارلينك” إنترنت عالي السرعة عبر شبكة من الأقمار الصناعية في المدار المنخفض، وهي تقنية تبرز أهميتها في المناطق الريفية، والجبلية، وفي البحار، ومناطق الكوارث حيث تعجز البنية التحتية الأرضية عن تلبية الاحتياجات.
ومع ذلك، تثير هذه التكنولوجيا تساؤلات سيادية للدول بشأن القدرة على مراقبة الاتصالات وتوجيه حركة البيانات، وهو ما يشكل جوهر المخاوف التركية. وتتمسك أنقرة بموقفها الرافض لمنح الترخيص ما لم يستوفِ النظام كافة الشروط الأمنية والتنظيمية التي تفرضها الدولة.
وفي هذا السياق، صرّح وزير النقل والبنية التحتية التركي، عبد القادر أورال أوغلو، في وقت سابق، بأن المحادثات مع “ستارلينك” مستمرة، مؤكداً أن تركيا لن تسمح بتشغيل أي منظومة لا تشعر تجاهها بالأمان الكامل.
وأضاف الوزير أن الترخيص لن يصدر إلا بعد تبديد كافة المخاوف الأمنية، قائلاً: “سنمنح الترخيص والصلاحيات عندما نشعر بالأمان الفعلي، لكننا لم نصل إلى تلك المرحلة بعد”.
ويعكس هذا التصريح أن أنقرة لم تغلق الباب نهائياً، لكنها تضع الأمن كشرط مسبق لا يقبل المساومة.
تسارعت وتيرة المباحثات بين الجانبين عقب اللقاء الذي جمع الرئيس رجب طيب أردوغان بإيلون ماسك في نيويورك عام 2023؛ حيث أعرب ماسك حينها عن رغبته في العمل مع السلطات التركية للحصول على التصاريح اللازمة.
وبناء على ذلك، تقدمت “سبيس إكس” بطلبها إلى هيئة الاتصالات التركية للحصول على تفويض بتقديم خدمات الاتصالات الشخصية المتنقلة عبر الأقمار الصناعية، غير أن الإذن بالنشاط لم يصدر منذ ذلك الحين.
ولا تقتصر تطلعات أنقرة على “ستارلينك” فحسب، بل تبقي قنوات الاتصال مفتوحة مع شركات أخرى تعمل في مجال إنترنت الأقمار الصناعية ذات المدار المنخفض.
وفي هذا الإطار، يبرز مشروع “كويبر” (Project Kuiper) التابع لشركة أمازون، والمعروف عالمياً باسم “Amazon Leo”، كأحد البدائل المطروحة على طاولة التقييم التركية.
وتخطت تركيا مرحلة الاستماع بإبلاغ هذه الشركات باللوائح والشروط الأمنية الصارمة الواجب اتباعها، مؤكدة أن قبول هذه الشروط هو المفتاح الوحيد لرسم أي خارطة طريق مستقبلية.
كما يتزامن فتح ملف “ستارلينك” مع قمة الناتو في أنقرة، حيث تعيد تركيا والولايات المتحدة تقييم علاقاتهما الثنائية في مجالات الدفاع، والطاقة، والتجارة، والنقل.
ويُعتقد أن ملف تكنولوجيا الاتصالات سيشغل حيزاً مهماً في المحادثات بين أردوغان وترامب، إلى جانب ملفات الحظر الدفاعي والتعاون الاقتصادي، إذ لا يُنظر إلى “ستارلينك” كخدمة تجارية بحتة، بل كقضية تمس السيادة الرقمية والأمنية.
يُذكر أن اسم “ستارلينك” كان قد تردد بقوة في الشارع التركي عقب زلزال 6 فبراير المدمر؛ حيث أثيرت نقاشات واسعة حول المزايا الفائقة لإنترنت الأقمار الصناعية في حالات الطوارئ لمعالجة انقطاع الاتصالات.
ورغم اعتراف أنقرة بجدوى النظام في الكوارث، إلا أن السؤال الجوهري المعلق يظل يدور حول آليات الرقابة والتحكم التي ستخضع لها التقنية في الأوقات الطبيعية.
في الوقت الذي تتوسع فيه “ستارلينك” سريعاً حول العالم محتكرةً فضاء الإنترنت عبر المدار المنخفض، يبدو أن الملف في تركيا سيبقى معلقاً في قاعة الانتظار؛ فرغم استمرار الاتصالات مع “سبيس إكس”، تبدي أنقرة حزماً شديداً في عدم منح الموافقة قبل تبديد هواجسها الأمنية، مما يجعل كلمة الفصل بيد الأجهزة الأمنية التركية رغم كل ضغوط إيلون ماسك.




















