أنقرة (زمان التركية)- تقف تركيا اليوم على أعتاب مرحلة سياسية فاصلة لإنهاء صراع امتد لأكثر من أربعين عامًا مع حزب العمال الكردستاني الانفصالي، في فرصة قد تكون الأهم والأبرز منذ فترة طويلة.
وعلى الورق، تلوح في الأفق فرصة سانحة حقيقية لإحلال السلام، غير أن الواقع الميداني والشعبي يعكس مشهدًا مختلفًا تمامًا.
كشف أحدث استطلاع لرأي الشارع التركي أجرته مؤسسة “متروبول” في أغسطس 2026 أن التوافقات القائمة بين القادة والسياسيين لم تنعكس بعد على القواعد الشعبية؛ إذ أعرَب نحو 70% من المواطنين عن عدم قناعتهم بالتزام التنظيم بتعهدات إلقاء السلاح.
وأظهر الاستطلاع، الذي أُجري في الفترة من 19 إلى 25 أغسطس، أن 58% من المشاركين يرون احتمالًا كبيرًا لعودة التنظيم للعمل المسلح خلال السنوات القادمة تحت مسميات مختلفة، مما يؤكد أن قطاعًا واسعًا من الشارع التركي لم يقتنع بعد بأن العملية وصلت إلى مرحلة اللاعودة.
وتكشف هذه الأرقام أن الأزمة الراهنة لا تكمن فقط في حجم السلاح المكتشف أو طبيعة الترتيبات القانونية والجغرافية المقررة، بل تتعداها إلى سؤال جوهري: هل يقتنع المجتمع بالفعل بنهاية العمل المسلح؟
وهنا تحديدًا تتجلى الفجوة الحقيقية في تجارب إحلال السلام، حيث تُعد عملية نزع السلاح مسارًا ممتدًا يتجاوز مجرد مشهد تسليم الأسلحة في احتفالية رمزية، ليطرح الشارع أسئلة أكثر عمقًا حول الشفافية، وآليات التحقق، وضمان عدم إعادة استخدام الأسلحة حال تغيرت الظروف السياسية.
وفي مفارقة أمنية لافتة، أظهر الاستطلاع أن 42% فقط من المشاركين يشعرون بأن التفكيك الكامل لحزب العمال الكردستاني سيجعلهم أكثر أمانًا، بينما رأى 54.2% أنهم لن يشعروا بأمان أكبر حتى لو تم نزع السلاح بالكامل.
ولم يقتصر هذا الشعور بالريبة على أنصار المعارضة فحسب، بل امتد لصفوف الأحزاب الحاكمة والمعارضة على حد سواء؛ حيث عبر 37.6% من منتسبي حزب العدالة والتنمية، و44.9% من حزب الحركة القومية، بل و37.9% من حزب المساواة الشعبية والديمقراطية (DEM) عن عدم شعورهم بالزيادة في الأمان، ما يعكس حجم التوجس السائد لدى أطياف المجتمع كافة.
ويرجع هذا الانقسام الملحوظ إلى المخاوف المستمرة من إعادة تشكيل التنظيم لنشاطه المسلح مستقبلاً، حيث بلغت نسبة من يخشون هذا السيناريو 78.3% بين ناخبي حزب الشعب الجمهوري، و83.5% لدى ناخبي الحزب الجيد، ووصلت إلى 43.3% و50.7% بين ناخبي الحزبين الحاكمين على التوالي.
وتوضح هذه البيانات أن التساؤل الحقيقي في أذهان المواطنين لا يقتصر على مجرد “هل سيترك التنظيم السلاح؟”، بل يمتد إلى “هل سينتهي السلاح للأبد؟”، وهو ما يبرز الانفصال الحاصل بين عملية نزع السلاح الفنية وبين وبناء الثقة المجتمعية المستدامة.
وتتعمق أزمة الثقة هذه بالنظر إلى الرؤية الشعبية لأهداف العملية السياسية برمتها؛ إذ اعتقد 13.5% فقط من المشاركين أن الهدف الحقيقي للحكومة هو حل مشكلة حزب العمال الكردستاني، بينما رأى 55% أن التحرك يستهدف الحصول على دعم حزب (DEM) لتعديلات دستور أوانتخابات قادمة.
ويعكس ذلك أزمة مشروعية حقيقية للعملية؛ فالشارع قد يطمح للسلام، لكنه يظل متشككًا في الدوافع السياسية الكامنة وراءه.
:

















