جانكيز تشاندار
ألا يدرك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان- بعد كل هذا الانحراف عن الديمقراطية- أنه لم يعد في مقدور تركيا الانضمام لعضوية الاتحاد الأوروبي لاسيما بعد تصرياحته شديدة اللهجة الأخيرة التي تحذر دول الاتحاد من التدخل في شؤون دولته الداخلية؟ والحقيقة أن أردوغان ينحرف من مسار الديمقراطية ويجر بتركيا إلى عتبة الانهيار الاقتصادي. وربما يكون غير مدرك لهذا المشهد إلا أن هذه هي الحقيقة التي تبدو للعيان. ذلك لأن الاقتصاد لايمكن له الاستقرار في دولة مثل تركيا دون تحقيق الديمقراطية في إطار النظام العالمي الراهن. هل تريدون دليلا على ذلك؟ هي المرحلة التي توصل إليها روسيا ورئيسها بوتين توأم أردوغان.
بداية أرجو منكم قراءة الأسطر التالية إذ إن كاتبها قاض سابق في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وهذا ما يجعلها أسطراً تحمل كل كلمة فيها دلالات وأهميّة.
“إذا كانت الصحافة الموالية تتمتع بالحرية. لكن تمارس ضغوط ضد الصحافة المعارضة فلايمكن إذن الحديث عن حرية الصحافة. أو أن سكوت بعض المؤسسات الصحفية وعدم اعتراضها على انتهاكات حرية الصحافة بقولها: “ما شأني وأعمال القمع الممارسة ضد الصحافة المعارضة” فهي أيضًا لا يمكن أن تكون حرة”.
غير أن الرأي الذي باتت تتحدث عنه الحكومة وأنصارها بصوت عالٍ تارة ومنخفض تارة أخرى في تركيا التي غابت عنها حريّة الصحافة. وأصبح فيها القضاء غير مستقل. وقلّصت فيها الحكومة الحريات على نحو يتفق وأهوائها هو الآتي: “إننا نخوض حرباً مع أعداء يرغبون في الإطاحة بنا. وبما أننا نخوض هذه المعركة يتعيّن علينا أن نعلّق ونعطل الديمقراطية ودولة القانون وحقوق الإنسان. ولن يمكننا أن نفوز بهذه المعركة بأي شكل من الأشكال إن لم نفعل ذلك”. غير أنّ هذا التأويل يشكّل خطرًا جسيمًا من ناحية الديمقراطية. وثمة نقطتان يستند إليهما هذا الرأي.
أولها: هو الرأي الذي ذهب إليه الكاتب والفيلسوف جاك روسو الذي عاش في القرن الثامن عشر وربط الإرادة العامة والديمقراطية التابعة لها الرأي بصندوق الانتخابات. وحزب العدالة والتنمية يحتضن بشدة هذا الرأي الذي يعد مصدر مشروعية الحزب. بيد أن هذا الرأي فقد صلاحيته منذ أمد بعيد إذ إن الصندوق يحدِّده فقط مَن يدير الدولة. لكن الديمقراطية في الوقت الراهن تتضمن أيضا كيفية استخدام الحكومة لها. ولايمكن الحديث عن الديمقراطية في غياب تطبيق لها على نحو يتوافق والقانون وحقوق الإنسان ومبدأ الفصل بين السلطات وفي غياب استقلالية في القضاء ووجود انتهاكات الحقوق والحريّات الأساسية.
وثانيها: هو الرأي الذي يذهب إلى أولوية السياسة على القانون في فترات التحولات الحرجة وأن ينضوي القانون تحت لواء السياسة.
وهذا الرأي يحوي تشابهاً كبيراً مع آراء كارل تشميت محامي الزعيم النازي أدولف هتلر. إذ إنه يرى أن هدف السياسة هو التمييز بين الأصداقاء والأعداء والقضاء على العدو من خلال الصراع ضده. وأن الأصدقاء هم مجموعة أعضاء لأمة متجانسة الأعراق. أمّا الأعداء هم المستبعدون من هذه المجموعة والذين لا يتناسبون مع معايير التجانس (كل الذين لايتقبلون هيمنة وسيطرة العدالة والتنمية في تركيا).
وأن مصدر القانون في المواقف الطارئة هي قرارات الزعيم. وأظن أنه لو كان عاش كارل في تركيا الراهنة لكان أصبح كبير مستشاري رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان.
وكانت آراء كارل بمثابة الدعامة والمبررات القانونية لحكم هتلر حيث إنها كانت تهدف إلى إضفاء صبغة المشروعية على النظام النازي. هل تسير تركيا بسرعة صوب النقطة ذاتها؟ إن استبعاد تركيا من نادي الدول الديمقراطية – الاتحاد الأوروبي – يُظهر بوضوح المسار الذي سلكته تركيا.
نُشر أمس مقال للكاتب رضا تورمان بعنوان: “سيناريو النظام القمعي” على موقع T24 الذي يعد أبرز المواقع الإخبارية في تركيا.
الأسطر التالية تم اقتباسها من الموقع الإلكتروني لمنظمة” فريدم هاوس”. وهي منظمة غير حكومية مقرها الولايات المتحدة تدعم وتجري البحوث حول الديمقراطية والحرية السياسية وحقوق الإنسان أو “مركز قياس” للحريات. وكنتُ قد شهدت– شخصيا – مدى أهمية هذه المنظمة ودورها الرئيس لدى الاتحاد الأوروبي خلال اجتماع حول العراق شاركت فيه الأسبوع قبل الماضي برفقة مسؤولين من السياسة الخارجية الأمريكية. وكان تعرض في كافة أرجاء قاعة الاجتماعات منشورات المنظمة وخريطة الحريات لعام 2014 التي تظهر الحالة السيئة التي آلت إليها تركيا.
ونُشر على موقع freedomhouse.org مقال لمسؤول برنامج أوراسيا بالمنظمة نيتا شانكان بعنوان “نهاية تركيا في أوروبا”. وفيما يلي آخر فقرتين من المقالة التي تناولت موضوع عمليات الاعتقال التي شنتها السلطات الأمنية التركية على مجموعة من الصحفيين والكتّاب يوم الأحد الماضي (14 ديسمبر/ كانون الأول):
“لقد زعم المؤيدون – وأنا واحد منهم – لحصول تركيا على العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي أن تركيا باتت كأفضل آلية من ناحية أوروبا وأمريكا. ذلك لأن مرحلة التفاوض تشجع المؤسسات الديمقراطية في تركيا على تطوير مواصلة هذه المرحلة. إلا أن زعماء تركيا رفضوا – علنًا – الانضمام للاتحاد الأوروبي سواء كان ذلك بصورة فعلية أو على الورق أيضًا. وأدرجت اعتقلات يوم الأحد الماضي التي طالت مجموعة من الصحفيين والكتاب الأتراك ضمن قائمة المشاكل الواقعة في آخر عام ونصف العام. كما أن محاكمة منتدى شباب تقسيم ومشجعي رابطة نادي بشيكتاش التركي المسماة بـ”تشارشي” بسبب احتجاجات حديقة جيزي في ميدان تقسيم بإسطنبول. وعدم العدول عن الرقابة على حرية التعبير التي ينبغي أن تكون محميّة وزيادة صلاحيات جهاز المخابرات الوطني بصورة تجعله يتصرف ويستخدم السلطة التنفيذية كأداة غير مسؤولة، وتخطيط الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لاتخاذ خطوة ثانية تبرهن على تهميشه لدور مجلس الوزراء وتحويله إلى مجرّد رمز في الدولة. بعدما كان قرر تشكيل حكومة ظل مكوّنة من مجموعة من المستشارين داخل قصر رئاسة الجمهورية التركي المسمّى بـ”القصر الأبيض” لتقييم ومتابعة الإجراءات التي يتم تنفيذها في العديد من المجالات على مستوى السلطة التنفيذية. كل هذا يؤكد أن الهدف من ذلك هو إدارة الدولة وهو في مكتبه في رئاسة الجمهورية.
ولا يمكن تطوير رؤية أوروبية من أجل تركيا في ظل وجود هذه الحكومة. ولذا فقد حان الوقت للاستعداد إلى تجميد مرحلة التفاوض مع الاتحاد الأوروبي بشأن العضوية الكاملة لتركيا وبقائها لفترة غير محددة خارج أوروبا. وينبغي للذين يتطلعون لرؤية حلم مستقبل ديمقراطي للدولة أن يفكروا بصورة مختلفة وبأساليب جديدة في كيفية دعم هذا الهدف في إطار معطيات الوضع الراهن.
وهناك العديد من الأوروبيين قد يسرون ويسعَدون بنبأ وضع تركيا خارج الاتحاد الأوروبي وتجميد مرحلة المفاوضات معها؛ إذ لا يكترث هؤلاء بما إذا كان هناك -أصلا- ديمقراطية في تركيا أم لا. وكما يؤسسون علاقات مع إيران والعراق وسوريا وكذلك روسيا دون النظر إلى ما كانت دول ديمقراطية أم لا أو يحاولون تأديبهم وردعهم من خلال تطبيق عقوبات عليهم فربما يفعلون هذا الأمر أيضًا مع تركيا ويخططون لأمر مشابه لذلك.
وأردوغان أيضًا يفكر مثلهم، إذ يقول ما دام أنهم لا يرغبون “تركيا الواقعة في جغرافية أوروبا” كذلك نحن أيضاً لا نرغب فيهم. وكما أن الديمقراطية في تركيا ليست من أولويات أوروبا، كذلك الأمر بالنسبة لأردوغان.
إن الديمقراطية التي يعرفها أردوغان ويفهمها – أو بالأحرى التي لا يعرفها ولا يفهمها- لا تتفق وقواعد الديمقراطية لدى الاتحاد الأوروبي. إذ يواصل تصعيد حدة السجال لقطع العلاقات مع الاتحاد الأوروبي. وقال يوم الأربعاء في مدينة قونيا:
“يقولون إنهم سيعطون تركيا درسا في الديمقراطية.. كلا، بل تعالوا لتلقنكم تركيا درس الديمقراطية.. إن الإرهابي الذي قتل رجل الأعمال التركي “صابنجي” لم يتم القبض عليه حتى الآن ويصول ويجول كما يشاء.. تم الاعتداء في ألمانيا على سبعة من مواطنينا ولم يتم العثور على مرتكبي الجريمة. لايمكن لمن أغلقوا أعينهم عما يحدث بسوريا وأداروا ظهرهم للمجزرة التي تقع في فلسطين أن يحدثوننا عن حقوق الإنسان والديمقراطية.. تركيا ليست كبش فداء لأحد يتلاعبون بها كما شاءوا وعلى الاتحاد الأوروبي أن ينظر – أولا – إلى المرآة ليرى حقيقته”.
وأضاف أردوغان “عذرًا، فنحن لسنا بواب الاتحاد الأوروبي. الأمر بسيط للغاية: إنه يعود إليكم قبول عضوية تركيا أم لا وليس من حق الاتحاد التدخل في أمور تخص القضاء في تركيا وإن عليهم أن يركزوا في شؤونهم الخاصة”.
هناك فكاهة تحكي عن ردة فعل الشموليّة في سنوات الحرب الباردة ضد الولايات المتحدة. إذ كان يُردّ على الولايات المتحدة جراء انتقاداتها للاتحاد السوفيتي وحلفائه بسبب “أنظمتها الشمولية ذات الحزب الواحد” بالقول “ولكنكم قتلتم الهنود الحمر”. ولعل الجدل الدائر بين أردوغان والاتحاد الأوروبي يُذكِّرنا بهذا الموقف.
والنقطة الأهم في الموضوع هي سعي أردوغان إلى “دغدغة المشاعر القومية والوطنية” بقوله “نحن لسنا بواب الاتحاد الأوروبي. الأمر بسيط للغاية: إنه يعود إليكم قبول عضوية تركيا أم لا”.
وبعد كل هذا الانحراف عن الديمقراطية ألا يعلم أردوغان جيدًا أنه لم يعد في مقدور تركيا الدخول للاتحاد الأوروبي؟ وهل ليس واضحا للجميع نية أردوغان في عدم انضمام تركيا للاتحاد؟!
إن تركيا التي عدلت عن الديمقراطية وتراجعت عنها، مُضطرة لأن تتراجع أيضًا عن فكرة الانضمام للاتحاد الأوروبي. والحقيقة أن أردوغان ينحرف من مسار الديمقراطية ويجر بتركيا إلى عتبة الانهيار الاقتصادي. وربما يكون غير مدرك لهذا المشهد إلا أن هذه هي الحقيقة التي تبدو للعيان. ذلك لأن الاقتصاد لايمكن له الاستقرار في دولة مثل تركيا دون تحقيق الديمقراطية في إطار النظام العالمي الراهن. هل تريدون دليلا على ذلك؟ هي المرحلة التي وصل إليها روسيا ورئيسها بوتين توأم أردوغان.
كما أن الأزمة السياسية التي ولجتها تركيا – في الداخل والخارج – دون مبرر، ستصل إلى أزمة اقتصادية رويدًا رويدًا. فلم يمض أسبوعان على احتضان أردوغان لروسيا وبوتين، في مواجهة الاتحاد الأوروبي والديمقراطية، لكن المتأمل جيدًا في الموقف الروسي يعرف كيف ولماذا تدهورت روسيا يمكنه أن يستشعر الاتجاه الذي ستسلكه تركيا نتيجة صراعها مع الاتحاد الأوروبي – الغرب بصفة عامة – على “أرضية خاطئة”.

















