فاروق مرجان
الأحداث التي سأذكرها هنا كلها كان من نصيب الحزب الحاكم الذي يرى نفسه إسلاميين سياسيين ومن نصيب زعيمهم.
اعتقال العالم الديني أحمد شاهين البالغ من العمر 80 عاما بسبب كتابته مقالا يتحدث عن مجموعة تسمى “تحشية” كان من نصيب هذه الحكومة.
وقد حدث ما يشبه هذا قبل 60 عاما في تاريخنا الإعلامي حيث اعتُقل حسين جاهد يالتشين وهو في التاسعة والسبعين من عمره.
اقتحام مبنى صحيفة” زمان” التي تناضل منذ 30 عاما في سبيل الديمقراطية بواسطة قوات الشرطة كان من نصيب هذه الحكومة. وإن ممارسة الضغوط على صحيفة زمان لم تخطر حتى ببال الانقلابيين. فضباط الانقلاب في 28 فبراير/شباط 1997لم يخطر ببالهم مداهمة مقر صحيفة زمان.
وإن إطلاق لقب “الحشاشين” على الناس المتدينين في الأناضول كان من نصيب هذه الحكومة. علما بأن حركة الحشاشين أسسها حسن الصبَّاح الذي ولد في مدينة قم الإيرانية وانتشرت حركته من إيران إلى سوريا ولبنان.
وقد تعرف الناس في تركيا على الصحف والقنوات التلفزيونية الممولة من الحوض المالي من خلال هذه الحكومة.
كما تعرف الناس في تركيا على “فاعل خير” كرجل الأعمال التركي من أصل إيراني رضا ضراب في ظل هذه الحكومة. وأصبحت الرشوة تُعتبر هدية في ظل هذه الحكومة.
وفي ظل هذه الحكومة تعرَّفت تركيا إلى صناديق الأحذية والشوكولاتة المعبأة بالأموال، والساعات التي يُقدر سعر الواحدة منها بقيمة 700 ألف ليرة تركية.
وظهر إحياء ذكرى أسبوع الفساد والرشوة للمرة الأولى في تركيا في عهد هذه الحكومة.
ماذا جلب الحزب الحاكم؟
سميت المحاكم بمفوضية الحكومة في عهد حكم هذا الحزب.
بدأ يحدث في قاعات المحاكم ما عرف ب”اهرب يا إسماعيل اهرب” في ظل هذه الحكومة.
وبدأ الناس يسمعون من المدعين العموم أقوالا لم يجرؤ على قولها من قبل حتى زعيم انقلاب عسكري مثل كنعان أيفرين إذ قال أحد المدعين العموم : “يمكن لنا أن نعتقل 500 ألف شخص إذا لزم الأمر” في عهد هذه الحكومة.
وإن وزير داخلية يقول “أنا أمنع الناس عنك بروحي وجسدي يا رضا ضراب” كان من نصيب هذه الحكومة.
وقد مات المئات من العمال في المناجم المتهالكة في عهد هذه الحكومة.
وقد تغير النظام العام في جنوب شرق تركيا حيث انتقلت السيادة من الدولة إلى تنظيم اتحاد الجماعات الكردية. وقد اعترف كبير مستشاري رئيس الوزراء “أتيان محجوبيان” بذلك.
هذا وقد تغير تعريف مفهوم “التنظيم” كما تغير معنى مفهوم الرشوة في ظل هذه الحكومة. حيث أصبح التنظيم الموالي شريكا في السلطة. كما صار تنظيم اتحاد الجماعات الكردستانية هو الذي يمسك زمام الأمور في جنوب شرق تركيا.
وفي ظل هذه الحكومة أصبحت حركة الخدمة تنظيما في الوقت الذي أصبح فيه كل من التنظيم الموالي وتنظيم اتحاد الجماعات الكردستانية شريكين للحكومة.
وإن اتهام أناس نذروا حياتهم للدين والشعب بأنهم تنظيم مسلَّح كان من نصيب هذه الحكومة.
وثيقة عبرة للأجيال القادمة
عندما كان أكرم دومانلي طالبا في الثانوية وفي الـ16 من عمره اعتُقل وزُجَّ به في السجن من قبل انقلابيين في 12 سبتمبر / أيلول . وبعد 34 سنة تم اعتقاله للمرة الثانية ولكن هذه المرة عهد حكم حزب يدعي “الإسلام السياسي”.
ولم يعتقل السيد هدايت كاراجا مدير مجموعة ” سامان يولو” الإعلامية ولو لمرة في حياته. فكانت هذه الحكومة هي التي منحته هذا الشرف، شرف الاعتقال.
وإن وصف الأستاذ فتح الله كولن بأنه مسودة عالم أمام جمع غفير من أساتذة الشريعة كان من نصيب هذه الحكومة.
وإن زعيم هذه الحكومة(أردوغان) أثناء زيارته إلى إيران في الفترة نفسها خاطب علي خامنئي بـ “مرشد”. وقال أيضا: “إيران بيتي الثاني”.
كما أن إصدار نشرة حمراء بحق الأستاذ فتح الله كولن لم يتيسر حتى للمعادين للدين الإسلامي من الذين قادوا انقلاب 28 فبراير/ شباط .
إن عبارة “إفلاس الإسلام السياسي” عنوان لكتاب الباحث الفرنسي أوليفر روي… وقد وقع أحد أكثر الأمثلة تميزا لنظرية الباحث في إفلاس الإسلام السياسي في تركيا وهو النموذج التمثيلي الذي شاهدناه في عهد هذه الحكومة.
نعم. فهذه المرحلة التي نعيشها ستسجل في تاريخنا السياسي بأنها مرحلة إفلاس لهذا “الإسلام السياسي”. كما ستكون وثيقة عبرة لأرباب السياسة في المستقبل وللأجيال القادمة.

















