عثمان نوري أراس
يتابع المجتمع في تركيا التطورات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ويتساءل: “إلى أين هذا السير”؟ فالمواطن كالقابض على الجمر بسبب مخاوفه المتعلقة بالمستقبل. فهل هناك داع للمخاوف بالفعل؟ يمكننا الإجابة عن هذا السؤال من خلال النظر في آخر التطورات التي نعيشها.
فالمؤشرات التي توحي بالتراجع الاقتصادي أصبحت تتداول واحدة بعد أخرى في جدول الأعمال في الأيام الأخيرة. فنسبة النمو في الربع الثالث من هذا العام كانت أقل من التوقعات بكثير. ونسبة النمو في نهاية العام كانت أقل بكثير من الهدف حيث نزلت إلى نحو 3%. وهناك توقعات بانخفاض نسبة النمو في العام المقبل أيضا. فالتوقعات المحلية والدولية تفيد بأن نسبة النمو في 2015 لن تتجاوز 3%. وعلى الرغم من أنه كان من المنتظر أن يصل التضخم المالي في هذا العام إلى 5% إلا أنه من المتوقع الآن أن يصل إلى نحو 9%.
وقد بقي متوسط دخل الفرد السنوي في آخر 7 سنوات ما بين 10 أو11 ألف دولار. كما أن العدالة في توزيع الدخل تراجعت بالمقارنة مع السنة الماضية. وحسب التقرير الذي صدر حديثا عن منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي فإن تركيا هي ثاني دولة من الدول الأعضاء في المنظمة تعاني من عدم المساواة في توزيع الدخل.
وتضاعفت نسبة البطالة في هذه السنة بالنسبة للسنوات الثلاث الأخيرة. وإن القيمة المضافة غير مطبقة على المنتجات في القطاع الصناعي في الوقت الذي أثقلت على القطاع الزراعي إذ أدخلت القطاع في مأزق. وعلى الرغم من انخفاض أسعار النفط إلا أن العجز في الحساب الجاري فوق التوقعات. ناهيكم عن جلب المستثمر الأجنبي لإستثمار برأس ماله في البلد. فثمة جو متوتر يؤدي إلى هروب الاستثمارات إلى خارج البلد.
وإذا نظرنا من الناحية السياسية فلن نجد فرقا في جهة التطورات: السلطة السياسية منهارة تحت ثقل ملف التحقيقات في عمليات الفساد والتي أسفرت عن استقالة 4 وزراء. فهذه الحكومة التي تعيش حالة من الجنون تمارس الضغوط غير القانونية على الصحفيين الذين يتحدثون عن عمليات الفساد وعلى بعض فئات المجتمع التي لاتتماشى مع هواها. والمحسوبية في الوظائف الرسمية أصبحت شبه علنية. وعمليات الفساد في تزايد مستمر حسبما تشير الدراسات المحلية والدولية. والمعارضة السياسية التي تجد صعوبة في التعبير عن نفسها يزداد تشتت الآراء فيها يوما بعد يوم. كما ازداد حدوث الجرائم ذات البعد السياسي ومجهولة الفاعل في الأيام الأخيرة مجددا.
وإذا ما نظرنا من الناحية الاجتماعية نجد التطورات كالآتي: تزداد المشاكل والمآسي لدى المجتمع نتيجة الإجراءات السياسية الشمولية التي تنتهجها الحكومة. وحسب تقرير مؤشر السعادة الذي أعدته منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي في 30 دولة جاءت تركيا في المركز الأخير. وتزداد السجون اكتظاظا مخيفا يوما بعد يوم نتيجة ازدياد نسبة الجرائم. وتزداد نسبة الطلاق سنة بعد سنة في السنوات العشر الأخيرة. كما تزداد نسبة الإدمان على المخدرات بين الشباب يوميا.
بعد الأزمة الاقتصادية الخانقة في 2001 دخلت تركيا في مرحلة نمو اقتصادي اجتماعي لكنها دخلت مرحلة التوقف فيما بين 2008 و2013 للأسف. وبدأ التراجع في 2013 ويمكننا القول بأن بداية مرحلة الانحطاط تزداد عمقا.
وباختصار فثمة دواع كثيرة للقلق عندما نقيِّم التطورات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية معا والتي تشكل أسس التوازن الاجتماعي.

















