جوكهان باجيك
إن من يقولون “لا يمكن المساواة بين الرجل والمرأة لأن الله خلق كل واحد منهما بشكل مختلف عن الآخر” يلجأون في الحقيقة إلى أسلوب التلاعب بالألفاظ المعروف للجميع.
وكان يطلق في لغتنا القديمة التركية على هذا التلاعب بالألفاظ “جربذة” (cerbeze)، بمعنى التحايل والمكر والخداع بالألفاظ. وهو يعني محاولة الظهور بمظهر صاحب الحق في موضوع ما من خلال كلمات ساحرة وكأنها محبوكة بذكاء. ولا شك في أن “الله خلق الرجال والنساء مختلفين”. فالنساء يلدْن والرجال لا يلدون. كما أن بنيتهما الجسمانية مختلفة. غير أنه لا يوجد بين المدافعين عن “المساواة بين الرجل والمرأة” من ينكر هذه الحقائق. فلم يخرج علينا أي أحد منهم، إلى الآن، ليقول شيئًا عجيبًا من قبيل “الرجال والنساء متساوون ولهذا نطالب بأن يلد الرجل كالنساء!”.
لاشك في أن المساواة بين الرجل والمرأة لا تتضمن المساواة بينهما بشأن الجسد. بل على العكس تمامًا، فالادعاء في هذا المقام بسيط: “باختصار، الرجال والنساء متساوون في المجالين السياسي والقانوني وغير ذلك من المجالات”. فالتحجّج بالقول “إن الله خلق الرجال والنساء متساوين”، مع التسليم بتلك الحقيقة، يعدّ شكلاً آخر من أشكال “اتخاذ الإسلام درعاً للدفاع عن موقف سياسي”.
وإذا نظرتم ستجدون أن الله لم يخلق الرجال متساوين، فبضعهم أطول قامةً، وبعضهم لحاهم كثة أكثر. وكما نرى، فإن طرح نقاش من خلال خداع جملة “الأجساد خُلقت بشكل مختلف عن بعضها البعض” ينتج لنا كثرة من الكلام الذي لا معنى له.
الإسلاموية الأصولية والإسلام
لقد ظهرت “الإسلاموية الأصولية” بحرية تامة بعدما فكرت أن الظروف السياسية في تركيا اليوم أصبحت مواتية. وتتحدث “الإسلاموية الأصولية” صراحة عن كل موضوع بالطريقة التي يفكّر بها أصحابها وعلى الوجه الذي يرونه صحيحاً، بدءًا من التعليم والمرأة وصولاً إلى حرية الصحافة في غياب خطر فكر كماليٍّ أو أي خطر آخر.
وفي الواقع، فإنها تقوم بشيء جيد جدًا. فالإسلاموية التي رأيناها دائمًا بأسباب ومشاهد وأشكال مختلفة إلى اليوم تظهر على حقيقتها بالكامل. والإسلاموية هي اختيار كسائر وجهات النظر المختلفة الأخرى، فلا يمكننا ذم أي شخص لأنه إسلامي أو اشتراكي أو غير ذلك. لكن هناك نقطة يجب التشديد عليها، ألا وهي أنه من الخطأ أن ننظر إلى التفسير الديني للإسلاموية الأصولية في موضوعات كقضية المرأة على أنه التفسير الوحيد الصحيح في الإسلام.
لا يمكن أن نقول للإسلاميين: “لماذا تفكرون بهذه الطريقة؟” لكننا أيضًا لسنا مجبرين على أن نفكر مثلهم.
الإسلام والمرأة
إذا كنا نعتقد أن بإمكاننا حل بعض مشاكل العالم الإسلامي دون قبول المساواة بين الرجل والمرأة في المجال السياسي وغيره من المجالات فإن هذا يعني أننا نحلم. وفي الوقت الذي يوجد فيه مواضيع على الورق كالعبودية في الإسلام، فإن علماء الدين والأمة الإسلامية فسروا هذه المواضيع لصالح الحرية وألغوها بالفعل على أرض الواقع. لأن الإسلام منح الحقوق للعبيد في نظام لم يكن يعتبرهم بشر. وقد فهم العلماء المسلمون هذا المنطق الحميد في الإسلام بشكل جيد، ومن ثم رفضوا العبودية تمامًا.
ويخطئ خطأ كبيرًا من يصرّ على مقولة “النساء لسن متساويات مع الرجال” مستندًا إلى بعض الأحكام الدينية كالشهادة والطلاق. هذا فضلًا عن ضرورة إيجاد تفسيرات جديدة لمواضيع كالشهادة والطلاق تكون متوافقة مع أغراض ومقاصد الإسلام. كما رأينا في نموذج العبودية. فهل يمكننا أن نصل إلى أي مكان مع الإصرار على فهم حكم “شهادة امرأتين تعادل شهادة رجل واحد” بشكل نصي بالكامل بما يخالف روح الإسلام؟ بالطبع لا. فإن هناك مجالات لا تؤخذ إلا بقول المرأة.
الوقت المناسب للعثمانية
لماذا يتجاوز مَن يقدمون لنا مرجعية “النظام العثماني المثالي” في كل القضايا التفسيرات المتوافقة مع روح العصر التي قام بها العثمانيون في قضايا القانون الشرعي؟ فمَن أسس الأوقاف المالية؟ كم شخصاً طبّق عليه العثمانيون عقوبة الرجم مع أننا نعلم أنهم طبقوا القانون الشرعي لأكثر من 600 عام؟
باختصار، الرجال والنساء متساوون في الإسلام. ولا شك أن إشارة السياسيين، ولو بشكل غير مباشر، إلى الإسلام على أنه مصدر لعدم المساواة بين الرجال والنساء، يعتبر أحد الأضرار التي يلحقها المنتسبون للإسلام بدينهم.
صحيفة” بوجون” التركية

















