بقلم: جنكيز تشاندار
بيروت- تناولت طعام العشاء عند أحد الأصدقاء على شرف العودة إلى لبنان. ولما خرجنا من بيته في ليل بهيم من ليالي بيروت، أشرت إلى عمال البلدية الذين يجمعون القمامة في زاوية أحد الأزقة. وقلت لصديقي الذي كان يتذمر طوال اليوم من انهيار البنية التحتية في بيروت: “ها هي الخدمات يتم تقديمها، إذن بيروت لا تزال قائمة صامدة”.
كنت قد سُحرتُ حين رأيت هذه المدينة للمرة الأولى قبل 43 عاما. كانت تلقَّب حينها بباريس الشرق. وهي مدينة على ساحل البحر المتوسط لا تقل عن باريس في حسنها بل كانت تتفوق عليها في تلك الحقبة.
وعاشت بيروت حربا أهلية دموية دامت 16 عاما وانقسمت بسببها قسمين شرقي وغربي، وإنني أعرف الخصائص السريالية لمدينة بيروت كالبيروتيين أنفسهم؛ لأني عشت كل مراحلها قرابة نصف قرن من الزمان. وتمر بيروت بمرحلة سريالية لأن هناك دولة موجودة في القانون اسمها لبنان ولكنها غير موجودة على أرض الواقع.
مضى أكثر من 180 يوما على انقضاء مدة ولاية الرئيس اللبناني ميشيل سليمان، ولم يبقَ سليمان في منصبه ريثما يأتي خلفه بل عاد إلى بيته. ولبنان حاليا دولة بلا رئيس.
وحتى المجلس النيابي الذي ينتخب الرئيس أيضًا انقضت مدته. ولكن النواب اللبنانيين اجتمعوا ومددوا فترة مهامهم. فهل هذا دستوري؟ بالطبع لا.
فالنواب المنتخبون في لبنان الذي لا رئيس له مددوا مهامهم على الورق بشكل كيفي. وهذا المجلس النيابي يمكن مناقشته من الناحية الدستورية. لكن ينبغي عقد جلسة في البرلمان (المجلس النيابي) اللبناني من أجل انتخاب رئيس الجمهورية، لكنه الآن لا يجتمع من أجل ذلك.
لبنان كان دوما مرآة لموازين الشرق الأوسط. وانتخاب رئيس الجمهورية في لبنان يعكس المصالحة في المنطقة.
شهدت المنطقة غيابا حقيقيا للقوة في الحقبة الأخيرة، وبعبارة أخرى غياب القوة الإقليمية في المنطقة. وانعكاس ذلك على لبنان أدى إلى غياب مفهوم الدولة وتجميد الحياة السياسية لأن لبنان مرآة الشرق الأوسط.
فهل هناك حكومة؟
نعم ثمة حكومة في لبنان. رئيس الوزراء اللبناني يعتمد على السعوديين. وحزب الله شريك الحكومة وممثل الشيعة. وهو أقوى شريك مسلح للحكومة التي تعيش حالة غياب السلطة.
وحزب الله منظمة سياسية تقاتل إلى جانب قوات بشار الأسد، وتمثل إيران في لبنان.
وهناك تسوية مؤقتة بين إيران والسعودية في لبنان. والصراع دائر بين الدولتين الواقعتين على طرفي الخليج في كل أرجاء المنطقة ولا سيما سوريا، وقد انعكست أبعاده على المؤسسات الأمريكية. وكلاهما يرجح التسوية المؤقتة في لبنان.
لابد من الوقوف على تحول لبنان في هذه الآونة إلى جزء من المشكلة السورية، وتغير البنية الديمغرافية الناجم عن ذلك.
ففي لبنان مليونان و200 ألف لاجئ سوري، ويبدو أن أغلبهم لن يعودوا إلى بلادهم. وهناك حديث عن مدى تأثير مليون و500 ألف لاجئ سوري في تركيا ذات الثمانين مليون نسمة، ونقاشات حول قدرة تركيا على استيعاب المزيد من موجات اللاجئين. فكروا في لجوء مليونين و200 آلاف لاجئ كلهم من السنة إلى لبنان ذو الأربعة أو خمسة ملايين نسمة، القائم على البنية السياسية والقانونية المستندة إلى التوازن الديني والمذهبي. ومعظم اللاجئين السوريين في لبنان من السنة ومعارضين للنظام في دمشق. أما حزب الله الشيعي فهو منظمة مسلحة مدافعة عن الحكومة السورية وأقوى الفصائل في لبنان.
وهذه الأحداث الدامية عاشها لبنان قرابة 16 عاما. لكن المنطقة تعيش الأحداث نفسها الآن من خلال المشاحنات التي تشهدها والتي تتمركز حول أجندات القوى الخارجية. وبإمكان هذه القوى عرقلة التسوية المؤقتة بين إيران الشيعية والسعودية السنية. وهذا ما حدث. وحين كنت أكتب هذه السطور وضع صديقي اللبناني، الذي يكتب في صحيفة” النهار” مقالات موالية لسوريا وإيران، خبرا نُشر قبل يوم (الأربعاء) في جريدة” السفير”. وعنوان هذا الخبر المستند إلى مصادر إيرانية هو “إيران والسعودية لا تختلفان حول لبنان”.
وتشهد الساحة اللبنانية التي تعد مرآة للشرق الأوسط غياب القوى المركزية التي لعبت دورا مهما في الحرب اللبنانية كإسرائيل ومصر وأخيرا تركيا التي دخلت الساحة بقوة فاعلة.
فمصر لا تظهر على الساحة لأسباب معلومة. لكن تركيا مغيبة عن الساحة بسبب تضاؤل نفوذها في الشرق الأوسط. أما إسرائيل التي تتطلع إليها القوى الجديدة في المنطقة فقد غابت عن الساحة السياسية اللبنانية.
وأصبح لبنان دولة منهارة من دون حرب وهو يعيش حالة تهديد باندلاع حرب في أية لحظة، وذلك ناتج عن غياب السلطة.
في ظل تداعيات كل هذه العوامل في لبنان. فهذه حالة سريالية لا تشبه ما عاشه لبنان من قبل.
وحين رأيت في منتصف الليلة الماضية عمال النظافة وهم يجمعون القمامة، وقلت “إنهم يقدمون الخدمات الأساسية” أضفت ممازحا “إن التجربة اللبنانية تُظهر أن لبنان قادر على العيش دون وجود دولة”.
ولكن صديقي ظن أنني جاد في طرح “رؤيتي الفلسفية” هذه، فقال: “نعم ولكن يجب وجود دولة من أجل سيادة الأمن”. وأضاف: “ولا يمكن للناس أن يعيشوا أو يُتركوا في حالة قلق وفراغ أمني مستمرة”.
وعندما نزلنا من السيارة لنمشي إلى البيت كان يتذمر من الأبراج العالية التي كانت قيد الإنشاء. ويقول: “لم نعد نتمكن من رؤية السماء في بيروت”.
وقد أشار إلى أبنية بيروت التي تمتاز بطرازها العثماني والعربي والمتوسطي، والتي بقيت مهملة بين المباني الحديثة الضخمة التي تبدو كالأسنان المسوسة، وقال في حزن: “وهذه الأبنية في طريقها إلى الهدم لتُبنى مكانها أبراج حديثة”. وأردف بصوت كئيب: “إن بيروت التي عهدناها أنا وأنت في طريقها إلى الاندثار”.
وكان يخبرني أن أبنية بيروت التاريخية الجميلة أصبحت تندثر بسبب تجار الأراضي من السياسيين الشيعة وشركائهم من المتعهدين المستثمرين في أفريقيا. وأنهم يكسبون الأموال بواسطة الأبراج التي تبنى مكانها. فقاطعته قائلا: “إسطنبول أيضًا على هذا المنوال. ما عليك إلا أن تضع كلمة سني مكان كلمة شيعي، وأن تستخدم عبارة متعهدي البحر الأسود أو رجال الأعمال في تركيا الجديدة مكان المتعهدين الشيعة، وستجد ظاهرة شبيهة في إسطنبول”.
أعرف أن تركيا ليست لبنان، حتى إن الدولة غير الموجودة في لبنان موجودة في تركيا أكثر من اللازم. وإن لبنان يعيش حالة غياب القوة في الشرق الأوسط. أما تركيا ففيها حكومة تتدخل حتى في الحياة الخاصة بشكل متزايد.
وإنني أذكر كلاما لصديق لبناني آخر، حيث قال: “مع مرور الزمن أصبحتم مشكلة من مشاكل الشرق الأوسط”.
وهل من المحتمل أن تكون إسطنبول كبيروت وتركيا كسوريا أو لبنان في يوم من الأيام؟
ألا يدلّ مجرد تذكُّر مثل هذا السؤال على أن حزب العدالة والتنمية قد حاد عن جادة الاتحاد الأوروبي وسلك طريقا مجهولا في أيامنا؟

















