عمر نور الدين
كما أنه لا يمكن على الإطلاق اختصار الديمقراطية في صناديق الانتخابات فقط، فإنه لا يمكن إخضاع نتائج الانتخابات البرلمانية المبكرة في تركيا في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري لأي منطق، باستثناء منطق وحيد هو :” نحن أو الفوضى”.
إذا أردنا إخضاع التطورات في تركيا منذ إعلان نتيجة انتخابات السابع من يونيو/ حزيران الماضي والتي شكلت خسارة غير مسبوقة لحزب العدالة والتنمية وللمشروع الرئاسي للرئيس رجب طيب أردوغان، الذي يمكن وصفه بارتياح بالرئيس الفعلي للعدالة والتنمية حتى الآن، وحتى الانتخابات المبكرة في 1 نوفمبر الجاري للمنطق، فإننا سنقول مباشرة إن المقدمات السابقة على انتخابات 1 نوفمبر لم تكن تقود إلى نتيجة فوز العدالة والتنمية بنسبة 49.5% من أصوات الناخبين للعديد من الأسباب أهمها:
– أن التغيرات في نسب الأحزاب من أصوات الناخبين تحدث على المدى الطويل وأن فترة 5 أشهر لم تكن كافية، في الظروف الطبيعية، لاستعادة العدالة والتنمية خسارته وزيادة نسبة أصواته المفقودة بنسبة تقترب من 10% بهذه السرعة.
– لو كان الناخب التركي في حالته الطبيعية لما أقدم مرة أخرى على تسليم نفسه لحزب العدالة والتنمية بعدما تأكد للجميع أن الحزب لم يعد كما كان قبل 2011 وأن وجوده أصبح مضرا لتركيا أكثر من إفادتها.
– أن هناك حزبا واحدا على الأقل هو حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة أبدى أداء جيدا خلال الأشهر الخمسة بين الاستحقاقين الانتخابيين كان يتصور أنه سيقود إلى زيادة نسبة أصواته إلى حدود 29 أو 30%.
– أنه حتى لو كان حزب العدالة والتنمية قرأ رسالة الناخب في 7 يونيو وأبدى تغييرا ظاهريا في الخطاب واللهجة وأساليب الدعاية فليس هناك من ضامن لوفائه بوعوده وقدرته على إعادة الأمور إلى نصابها في ظل الظروف الحرجة التي تمر بها تركيا، كما أنه ليس هناك من ضامن لصدق الحزب في شعاراته الجديدة والدليل أن ممارسات الحكومة لم تتغير فلا تزال حملات الاعتقالات والمداهمات لمن يخالفون الحكومة في الرأي مستمرة ويلقى القبض على سيدات محجبات في سوق خيرية بتهمة الانضمام إلى تنظيم إرهابي.. أي أن تركيا الجديدة التي منى العدالة والتنمية الشعب بها ما هي إلى تركيا في حقبة الانقلابات العسكرية المريرة.
رسائل داوداوغلو الخادعة
استحسن الجميع خطابات ورسائل رئيس حزب العدالة والتنمية رئيس الوزراء أحمد داوداوغلو عقب الفوز بالانتخابات، لكن أحدا لم ينتبه إلى حقيقة أنها رسائل خادعة وأن داوداوغلو بات يلعب الدور الذي كان يلعبه من قبل الرئيس السابق عبد الله جول من حيث كونه الوجه اللين للعملة التي وجهها المتصلب والخشن هو أردوغان.
تحدث داوداوغلو عن احتضان مختلف أطياف الشعب التركي وعن إزالة الاحتقان والاستقطاب والتوتر وعن التواضع.. فيما الممارسات نفسها التي تطبقها الحكومة لم تتغير ولا تزال حملات مطاردة الساحرات مستمرة وزادت عليها حملات مطاردة المحجبات .. ولم تتوقف الادعاءات حول الكيان الموازي المزعوم.
خطة أردوغان
تبارى الكثيرون أيضا في الإشادة برئيس الوزراء أحمد داوداوغلو ونجاحه في تجربة الانتخابات، وقليلون من توقفوا أمام هذه الانتخابات ونتيجتها باعتبارها مرحلة في خطة أردوغان للوصول إلى النظام الرئاسي الذي يريده بنكهة تركية خالصة، أي بتصميم خاص يتناسب معه فقط.
فأردوغان هو الذي رفض مباشرة ما جاءت به صناديق الانتخابات، التي اختصر فيها الديمقراطية من قبل، في 7 يونيو ولم ينتظر تشكيل حكومة ائتلافية بل سارع إلى إعلان أنه لابد من إجراء انتخابات مبكرة، وبادر بتحديد موعد الأول من نوفمبر بنفسه قبل أن تتحرك اللجنة العليا للانتخابات، وأعلن أن مفاوضات السلام الداخلي لحل المشكلة الكردية في تركيا باتت مجمدة ودخلت الثلاجة، ومن هنا انتفضت من جديد منظمة حزب العمال الكردستاني لتواصل إرهابها للمواطنين جنوب شرق البلاد لتتطاير قذائفها لتصيب شعبية حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، فيما كان حزب الحركة القومية غارقا في موجة ” لا” وتصلب رئيسه دولت بهشلي الذي يتحمل المسؤولية عن ظهور أحزاب المعارضة فى تركيا على أنها أحزاب لا مسؤولية ولاتستحق ثقة الناخبين.
صحيح أن اردوغان توارى عن الأنظار وقاد حملة حزب العدالة والتنمية من وراء الستار وعبر اللقاءات التليفزيونية، لكن على من يقولون إن داوداوغلو أظهر مهارة في هذه الانتخابات أن يدركوا أنها كانت مرحلة في خطة أردوغان، استفاد منها حزب العدالة والتنمية في استرداد انفراده بتشكيل الحكومة، وسيستفيد منها أردوغان قريبا في المرحلة الأخيرة من خطته وهي الاستفتاء على تعديل الدستور أو على دستور جديد للبلاد أهم وأبرز بنوده النظام الرئاسي..
ومع كل يوم جديد سيكتشف الناخبون الذين صوتوا خوفا من الفوضى أنهم ادخلوا أنفسهم بأيديهم في قبضة الاستبداد لأن مشاكل الإرهاب والمشاكل الاقتصادية وغيرها من الأمور التي تثقل كاهل هؤلاء الناخبين لن تحل بمجرد إقرار النظام الرئاسي .. وساعتها سيقول هؤلاء :” خدعنا أردوغان” .












