أنقرة (زمان التركية)- على الرغم من الحصار البحري الواسع الذي فرضته القوات البحرية الأمريكية لقطع شريان النفط الإيراني، نجحت ناقلات نفط تعتمد على تكتيكات التمويه، وإغلاق أجهزة التتبع، ورفع “أعلام مزيفة”، في شق طريقها نحو الصين.
وكشفت تحليلات صور الأقمار الصناعية وبيانات الملاحة البحرية أن السفن المحملة بالخام الإيراني تواصل تحدي الرقابة الأمريكية عبر سلوك مسارات بديلة واعتماد آليات نقل الشحنات من سفينة إلى أخرى وسط عرض البحر.
وتأتي هذه التطورات لتلقي بظلالها على المباحثات الأخيرة التي جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والزعيم الصيني شي جين بينغ؛ حيث يسعى ترامب، الذي يخوض مواجهة اقتصادية وسياسية مفتوحة ضد طهران، إلى تجفيف مصادر دخلها النفطي بالكامل، في وقت تظل فيه بكين المشتري الأكبر لهذا النفط عالميًا.
وفي هذا السياق، شن وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسينت، هجومًا لاذعًا على الصين، متهمًا إياها بـ “تمويل الإرهاب فعليًا” عبر استمرارها في شراء النفط الإيراني.
وكانت البحرية الأمريكية قد فرضت منذ الشهر الماضي حصارًا بحريًا صارمًا يمتد من خليج عمان، ممتلكةً صلاحية تحديد السفن المسموح لها بالعبور نحو الصين والوجهات الآسيوية الأخرى.
ورغم تأكيد المسؤولين الأمريكيين نجاح الحصار في توقيف أكثر من 70 سفينة – آخرها احتجاز السفينة “Majestic X” في المحيط الهندي على بعد ألفي ميل من خليج عمان – إلا أن تتبع حركة الملاحة الكاملة يظل معركة معقدة؛ نظرًا للقفزة الهائلة التي بلغت 600% في لجوء السفن للحيل التمويهية بين شهري أبريل ومايو، وفقًا لشركة الاستخبارات البحرية “Windward”.
وفيما يلي ثلاث نماذج رصدتها صحيفة “نيويورك تايمز” لكيفية اختراق السفن المرتبطة بإيران للحصار الأمريكي والوصول إلى الصين:
1. الناقلة العملاقة “The Huge”: رحلة في الظل عبر مسارات غير تقليدية
وفقًا لصور الأقمار الصناعية، شحنت الناقلة العملاقة “The Huge”، التي ترفع العلم الإيراني، حمولتها من جزيرة “خارك” – المرفأ الرئيسي لتصدير النفط الإيراني – وعبرت مضيق هرمز مطلع أبريل الماضي، لتغادر خليج عمان بالتزامن مع بدء الحصار الأمريكي في 13 أبريل.
الناقلة، التي تحمل قرابة مليوني برميل من الخام، أبقت أجهزة التتبع الخاصة بها مغلقة طوال الرحلة، قبل أن تعيد تشغيلها لفترة وجيزة مطلع مايو قبالة مضيق “لومبوك” في إندونيسيا.
وفي تعليق له، أوضح المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، الكابتن تيم هوبكينز، أن السفينة لم تفلت من القوات الأمريكية لأنها عبرت قبل بدء الحصار الفعلي، مستدركًا أن واشنطن احتجزت ناقلات أخرى غادرت قبل الحصار مثل الناقلة “M/T Tifani”.
وما يثير الريبة في مسار “The Huge” هو اختيارها مضيق “لومبوك” بدلاً من مضيق “ملاكا” الأكثر شيوعًا والأشد مراقبة.
ويرى إيمي دانيل، الرئيس التنفيذي لشركة “Windward”، أن السفن المرتبطة بإيران باتت تفضل هذا المسار لتقليل احتمالات رصدها، مرجحًا أن السفن التي تنجح في الخروج من خليج عمان قد تكون حصلت على استثناءات أمريكية لأسباب إنسانية أو صفقات محددة، مؤكدًا: «من المستحيل تقريبًا لناقلة بطول 300 متر أن تمر عبر مضيق هرمز دون أن تُكتشف في ظل هذا الاستنفار الأمريكي غير المسبوق».
وتُظهر أحدث البيانات الملاحية أن الناقلة تجاوزت شمال فيتنام وتتجه حاليًا نحو المياه القريبة من هونغ كونغ، حيث يُرجح تفريغ حمولتها عبر نقلها لسفن أخرى.
2. الناقلة “The Atomis”: تلاعب بالبيانات ورفع علم مزيف
نجحت الناقلة “The Atomis” متوسطة الحجم، والخاضعة للعقوبات الأمريكية، في الوصول إلى المياه الصينية عبر تكتيك “التزييف المكاني”. السفينة التي كانت ترفع علمًا مزيفًا لدولة جزر القمر، أبقت جهاز التتبع مفتوحًا، لكنها قامت بقرصنة بياناته لتبدو في موقع مغاير تمامًا لموقعها الحقيقي.
فبينما كانت بيانات التتبع تشير إلى وجود السفينة في الكويت في 2 أبريل، وثّقت صور الأقمار الصناعية قيامها بتحميل النفط من جزيرة خارك الإيرانية.
ورغم تأكيد الكابتن هوبكينز أن هذا التلاعب لا يعوق قدرة البحرية الأمريكية التي تعتمد على تكنولوجيا الراديو ورادارات الأقمار الصناعية المتطورة لتتبع السفن دون الحاجة لبيانات التتبع التقليدية، فإن الناقلة (التي غيرت اسمها من Divit إلى Atomis قبل يوم واحد من العبور) استطاعت تجاوز الحصار ووصلت بالفعل إلى منطقة الانتظار قرب هونغ كونغ تمهيدًا لنقل حمولتها.
3. الناقلة “The Salute Legend”: عمليات النقل السري من سفينة لأخرى
تعتمد السفن الصغيرة على تكتيك نقل النفط من سفينة إلى أخرى (STS) داخل خليج عمان وأجهزة التتبع مغلقة بالكامل.
وترى الإدارة الأمريكية أن هذا النوع من العمليات يقع خارج نطاق التركيز المباشر للحصار الذي يستهدف بالأساس السفن الخارجة والداخلة للموانئ الإيرانية.
وتعد السفينة “The Salute Legend”، التي ترفع علم هونغ كونغ، نموذجًا لهذا الأسلوب؛ إذ يُرجح أنها تسلمت شحنة نفط إيراني من سفينة أخرى في خليج عمان قبل أن تتجه شرقًا نحو ميناء “كوانزو” الصيني وهي مشغلة لأجهزة التتبع لإبعاد الشبهات.
وبحسب تحليل “نيويورك تايمز”، نجحت ثماني سفن صغيرة أخرى على الأقل مرتبطة بإيران في العبور من خليج عمان إلى آسيا منذ بدء الحصار، ويُعتقد أن نصفها شارك في عمليات نقل شحنات قبالة سواحل ماليزيا – المركز التاريخي لعمليات نقل النفط غير القانونية.
على الرغم من نجاح هذه السفن في اختراق الطوق الأمريكي، يشير المحللون إلى أن الحصار ترك أثرًا ملموسًا يمكن قياسه عبر مراقبة كميات النفط الإيراني المخزنة في الناقلات العائمة قبالة السواحل الماليزية، حيث يتم تبادل ملايين البراميل يوميًا بشكل غير قانوني.
وتكشف بيانات شركة “Kpler” للأبحاث أن حجم النفط الإيراني العائم في تلك المنطقة قد انخفض بشكل ملحوظ من 85 مليون برميل في أوائل فبراير الماضي إلى 51 برميلًا، مما يوضح أن عمليات إعادة ملء تلك الناقلات باتت تواجه صعوبات بالغة جراء الضغط الأمريكي المستمر.



















