بقلم: السفير ماهر المهدي
القاهرة (زمان التركية) — كنتُ حينها في ألمانيا حين نظرتُ إلى التلفزيون على وقع عناوين إحدى نشرات الأخبار المشتعلة كالبركان، وهي تتحدث عن اندلاع وباء الإيبولا في بعض دول غرب أفريقيا. كانت النشرة الإخبارية مخيفة الأسلوب، حتى إنني ربما خفتُ حينها من ملامسة جهاز التلفزيون تحاشيًا للعدوى.
البعض من الناس في الدول المصابة بالوباء لم يكن يمتلك شيئًا من المال، ولكنه لم يهرب ولم يعجز أمام مرض بعض أهله بالإيبولا وخلو ذات يده من المال والدواء وكافة الإمكانات. لم يخفِ البعض على حياته ويهرب، وهو في قلب تلك المصيبة، بل قدّم إلى أهله الذين سقطوا ضحية المرض الحب والنظافة، ليراهم يعودون إلى الحياة مرة أخرى أمام عينيه، ويراهم أحياء بعد أن سقطوا أسرى المرض الخطير القاتل.
فالله هو الشافي فعلًا وحقيقة، وإلا لما شُفي مثل أولئك الناس الذين صرعتهم الإيبولا وغيرها من الأمراض ثم عادوا إلى الحياة. ولا شك أن القرى الصغيرة في دول غرب أفريقيا، وفي الكونغو، وفي السودان، وفي مصر، وفي بلاد عربية وأوروبية وأمريكية وآسيوية، تضم أناسًا كثيرين من البسطاء الذين يحيون على قوت يومهم يومًا بيوم، ولا تتوافر لديهم إمكانات المدن وإمكانات السفر السريع، ولا القدرة على سداد تكاليف العلاج الناجع.
هؤلاء الناس الطيبون لا يقدمون إلى أهلهم المرضى سوى الحب والعناية المخلصة والنظافة، وهذا هو -في الحقيقة- كل العلاج الممكن أحيانًا. فما أعجز القدرة البشرية، وما أقل ما يعرفه الطب البشري، وما أغلى وأثمن الوجه المحب والعين الحنون واليد الدافئة في لحظات الشدة والضيق والمرض. فالحياة -في النهاية- هبة الله إلى خلقه، والموت أجلٌ محتوم.
ظهر وباء الإيبولا في أفريقيا في يونيو عام 1976 في الكونغو (زائير سابقًا)، ثم ظهر في العام نفسه خلال شهر أغسطس في السودان. ونُسب المرض إلى نهر الإيبولا القريب من العاصمة الكونغولية كينشاسا. وقد تم اكتشاف فيروس الإيبولا في جمهورية الكونغو، الأمر الذي أكسب ظهور المرض في تلك الدولة أهمية خاصة بالنسبة إلى متابعة هذا الوباء الشديد الفتك.
ثم تفشى الوباء مرة أخرى خلال الأعوام 2013–2016 في غرب أفريقيا، في غينيا (كوناكري)، ومنها انتشر إلى ليبيريا وسيراليون ونيجيريا بسبب الحدود المشتركة والتجارة البينية، حيث أُعلن القضاء على الوباء رسميًا في عام 2016.
أصاب الوباء ثمانيةً وعشرين ألف شخص، وقتل أحد عشر ألفًا، وهو رقم يتجاوز ضحايا موجات تفشي الوباء السابقة المسجلة مجتمعة. وقد تعرضت قرى الريف في كل من الكونغو والسودان لهجمات متكررة من مرض الإيبولا، لكنها لم تشهد تصعيدًا دوليًا، فالقرى بطبيعتها صغيرة ومحدودة العدد والحركة والسفر، مما يحد من انتشار المرض ويعجل برحيله بعد دورته الفيروسية التي تتميز بها الأمراض الفيروسية: فترة حضانة، ثم حمى، ثم طفح جلدي وبثور مع آلام في الرأس وفي مختلف أجزاء الجسم، وربما نزيف وإسهال.
فإذا صمد المريض صحيًا، وحظي ببعض العناية اللازمة، نجا من المرض، وهو ما درسناه في الجامعة بشأن طبيعة الأمراض الفيروسية.
تم القضاء على الوباء خلال الأعوام 2014–2016 من خلال حملة قائمة على عزل المرضى، وحصر المخالطين لهم في مستشفيات خاصة بالإيبولا، وتحصين المخالطين وسلسلة المتعاملين معهم باللقاح الضروري، ونهي الناس عن لمس المتوفين بمرض الإيبولا، مع اتباع طرق الدفن الصحية منعًا لانتشار المرض، إلى جانب التوعية العامة في وسائل الإعلام ودور العبادة المختلفة والتجمعات المتنوعة لمختلف فئات الشعب بشأن طبيعة المرض وكيفية انتشاره، حيث ساعدت هذه العوامل مجتمعة على تراجع الإصابات بالمرض كثيرًا.
إن من عجيب إنسانية الإنسان وطبيعته التي فطره الله عليها -سبحانه وتعالى- أنها تكون سبيل الخلاص في كثير من المواقف العصيبة، المادية وغير المادية، حتى ولو كان الإنسان غير مؤمن بالله عز وجل، لأن الله رب الخلق أجمعين.














