بقلم: السفير ماهر المهدي
القاهرة (زمان التركية)- هل يصح أن يصبح رجل الدين مقاتلًا؟ وهل من المقبول أن يتحول خادم المقدسات وخادم الحجاج إلى مقاتل، يصادق البعض ويعادي البعض، ويخوض الحروب؟ أم ينبغي عليه الابتعاد عن القتال؟
هل هذا القرار وطني أم قرار إسلامي؟ وهل يصح أن تُسيَّس المقدسات، ويُحرم شعوب وملايين من الناس من التردد على مقدساتهم الدينية، بسبب دخول القائم على رعاية هذه المقدسات في عداء أو حرب مع دولة أو جماعة أو فئة أو منظمة في بلد آخر؟
ألا ينبغي للدين أن يبقى بعيدًا عن الخلافات والنزاعات والمصالح السياسية، من أجل خير الجميع؟!
إن السؤال الجوهري الذي قد يُوجَّه إلى المملكة العربية السعودية اليوم، من جهة أي مسلم بسيط، ليس: هل تستطيع المملكة أن تحارب؟ بل السؤال هو: هل ينبغي للمملكة العربية السعودية أن تحارب أصلًا؟
فالسعودية ليست دولة عادية، بل هي راعية الحرمين الشريفين، وقبلة ملياري مسلم حول العالم. وبكل تأكيد، يجد المنطق البسيط أن هذا الوضع الديني الفريد والرفيع قد يفرض على المملكة العربية السعودية منهجًا مختلفًا عن باقي الدول القومية.
فالسعودية قائمة على أمانة إسلامية تخص جميع المسلمين حول العالم، ولا تخص الشعب السعودي وحده أو الدولة السعودية.
والمنطق يقول إن أي حرب تدخلها المملكة قد تجر الصراع إلى حدود مكة والمدينة، وتعرض الحجاج إلى مخاطر جسيمة، وتؤثر على مكانة المملكة وكونها حاضنة للسلام والطمأنينة للمسلمين أجمعين، بصرف النظر عن جنسياتهم وألوانهم وانتماءاتهم السياسية.
فالأعمال العسكرية تستهدف الكثير من الأماكن، وقد تستهدف كل الأماكن سعيًا وراء تحقيق الأهداف العسكرية للخصوم، بحيث لا يمكن لطرف في حرب أن يضمن لمواطنيه، ناهيك عن زواره، سلامة مدن أو مواقع بعينها، وسلامة المطارات والموانئ والحدود والمستشفيات، على سبيل المثال.
فإذا تفكر المرء في الأمر، وجد نفسه يتساءل: لماذا لا تضع المملكة الهيبة الروحية فوق الصراعات، وتقدم دور الوسيط الأمين على دور المقاتل المحارب، وتعظم من نفوذها الإقليمي والدولي عبر الوساطة الدولية، وعبر أعمال الإغاثة وكافة أعمال التعاون الدولي، وليس عبر الحروب؟!
فالكل يعلم أنه لا نهاية للحروب، ولا لما تخلفه الحروب من كراهية ورغبات في الانتقام وخسائر بشرية لا تعوض، فضلًا عن الخسائر المادية الضخمة التي تحرم منها التنمية والتعليم والصحة وسائر المجالات المهمة في الدولة.
إن تبني عقيدة المواجهة الحربية كحل للنزاعات والخلافات، وكوسيلة لتحقيق الأهداف السياسية الوطنية، قد يؤدي إلى فتح الجبهات الحربية المباشرة، وجبهات المواجهة بالوكالة في مناطق كثيرة، الأمر الذي لا يمكن التنبؤ بعواقبه على مختلف الأصعدة، بل هو مأزق يصعب الخروج منه بيسر وخلال فترة وجيزة.
فعلى الخصوم المتحاربين توقع التعرض لضربات عسكرية انتقامية في الداخل، وفي الخارج أيضًا، على أيدي جهات ذات مصالح، خلال فترات تمتد أحيانًا إلى سنوات وعقود.
ويمكن للباحث، في هذا الخصوص، رؤية اليمن وحرب عاصفة الحزم، ولبنان، وليبيا، والسودان، على سبيل المثال.
ولا شك أن كل حرب، بصفة عامة، قد تؤدي إلى درجات متباينة من تصدير الضغوط إلى الداخل، عبر مشاكل الأمن واللجوء، ومشاكل الاقتصاد، والإرهاب، والعمليات الانتقامية، واستنزاف الميزانيات الوطنية المخصصة، أو التي كان يمكن تخصيصها، لمشروعات تنموية عامة تدر دخلًا وتوفر فرص عمل للكثيرين الراغبين في الحياة وفي العيش في سلام.
إن أمن الحرمين والحجاج يشغل بال كل مسلم، والجميع يتمنى للمملكة العربية السعودية أن تكون بعيدة عن الحروب، لا مشتبكة في حرب أو في حروب خارجية عديدة.
















