تتسع في تركيا تداعيات عملية أمنية وقضائية أطلقت عليها السلطات اسم «عائلتي بأمان» (Ailem Güvende)، بعدما امتدت التحقيقات إلى أشخاص وجمعيات ومنشآت في 15 ولاية، في وقت بدأ فيه حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب (DEM Parti) في نقل القضية إلى البرلمان وانتقاد ما يعتبره تضييقًا على المجال الديمقراطي.
وتكتسب التطورات أهمية سياسية إضافية بسبب تزامنها مع استمرار مسار «تركيا بلا إرهاب» (Terörsüz Türkiye)، والنقاش المتزايد حول المرحلة السياسية المقبلة والتعديلات الدستورية، وهو ما دفع صحيفة سوزوجو Sözcü إلى الحديث عن وجود «شرخ» بين الحكومة والحزب الكردي على خلفية العمليات الأخيرة.
وبحسب تقرير نشرته سوزوجو في 20 سبتمبر، فإن استمرار مسار «تركيا بلا إرهاب» يتزامن مع احتجاز عدد كبير من الأشخاص، بينهم ممثلون وأعضاء في جمعيات، ولا سيما من مجتمع الميم LGBTİ+، الأمر الذي أدى، بحسب الصحيفة، إلى ظهور خلاف بين الحزب الكردي والحكومة بشأن العمليات. ونقلت الصحيفة عن محرر أخبار أنقرة في Sözcü TV، سيركان آلان، أن موقف الحزب الكردي من المرحلة المقبلة، ولا سيما في ظل احتمال طرح تعديلات دستورية، أصبح موضع اهتمام.
عملية «عائلتي بأمان»
بدأت العمليات في ليلة 12 إلى 13 سبتمبر/أيلول، بالتنسيق بين النيابات العامة في إسطنبول وأنقرة وإزمير وأيدن ومرسين، وامتدت إلى 15 ولاية، بحسب البيانات الرسمية التي نقلتها وسائل إعلام تركية.
وقال وزير العدل التركي أكين غورلك إن الإجراءات القضائية شملت 162 شخصًا و9 جمعيات و13 منشأة. ووفق الرواية الرسمية، تضمنت التحقيقات اتهامات تتعلق بالتحريض أو الوساطة في الدعارة، وإنتاج ونشر مواد اعتبرتها السلطات فاضحة، ومخالفات لقانون الجمعيات، إضافة إلى حيازة مواد مخدرة في بعض المواقع.
وذكرت وكالة الأناضول الرسمية أن النيابات قالت إن التحقيقات تضمنت ادعاءات بشأن توجيه قاصرين وشباب لم تكتمل مراحل نموهم البدني والنفسي والعقلي في قضايا تتعلق بالتوجه الجنسي والهوية الجندرية، إضافة إلى التحقيق في أنشطة قالت السلطات إنها تسعى إلى تطبيع هذه الممارسات في المجتمع.
وقالت السلطات كذلك إن التحقيقات اعتمدت على المتابعة التقنية والميدانية، وأقوال الشهود، والتحقيقات الرقمية، وتسجيلات الفيديو، فضلًا عن استخدام محققين سريين في بعض الملفات.
وفي إسطنبول وحدها، أعلنت السلطات تنفيذ عمليات تفتيش ومصادرة في عشرات المنازل والمنشآت والجمعيات، وقالت إنها ضبطت، من بين أشياء أخرى، مواد مخدرة وكحولًا مهربًا وسلاحًا غير مرخص وأجهزة تسجيل وهواتف محمولة. وهذه المضبوطات وردت في الرواية الرسمية للتحقيقات ولا تعني، في حد ذاتها، ثبوت الجرائم المنسوبة إلى جميع الأشخاص أو الجهات المشمولة بالعملية.
استهداف جمعيات المثليين
أصبحت جمعية Kaos GL واحدة من أبرز الجهات التي شملتها العملية.
وقالتوكالة دويتشه فيله في نسختها التركية DW Türkçe إن أعضاء مجالس الإدارة والرقابة في الجمعية تعرضوا لمداهمات واحتجازات، وإن النيابة العامة في أنقرة بدأت إجراءات قضائية بحق 18 شخصًا قالت إنهم من مسؤولي الجمعية أو من يديرون موقعها وحساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي.
وبحسب دويتشه فيله، استند التحقيق في قضية Kaos GL إلى اتهامات تتعلق بـ «الفحش»، وقال قرار قضائي إن هناك منشورات على الموقع وحسابات التواصل الاجتماعي اعتُبرت فاضحة ويمكن أن يشاهدها الأطفال.
وفي 15 سبتمبر، أفادت الوكالة بأن ثمانية أشخاص، بينهم الصحفية توغبا تكرك، أُودعوا السجن على ذمة المحاكمة، بينما أُفرج عن سبعة آخرين تحت الرقابة القضائية. وذكرت أن الاتهامات تضمنت مخالفة قانون الجمعيات ونشر أو المساعدة في نشر مواد فاضحة يمكن للأطفال مشاهدتها.
وتقول رواية رسمية نقلتها وكالة الأناضول إن التحقيق مع جمعية Kaos GL بدأ بعد بلاغات تتعلق بمحتويات منشورة على موقع الجمعية وحساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي، وإن 21 شخصًا جرى احتجازهم في العملية، مع استمرار البحث عن آخرين. كما صدر قرار بمنع الوصول إلى موقع الجمعية داخل تركيا.
قرارات حجب وملاحقة إلكترونية
لم تقتصر العملية على المداهمات والاحتجازات، بل امتدت إلى الفضاء الإلكتروني.
ووفق T24، شملت الإجراءات قرارات لحجب عدد من المواقع وحسابات التواصل الاجتماعي التابعة لجمعيات وناشطين في مجال المثلية LGBTİ+.
كما ذكرت الصحيفة أن العمليات شملت جمعيات ومنشآت وأشخاصًا في عدة مدن، وأن التحقيقات جرت تحت عناوين قانونية من بينها «تشكيل منظمة بهدف ارتكاب جرائم»، و«الدعارة»، و«الفحش»، وحيازة أو شراء المخدرات بغرض الاستخدام.
وأعلنت وزارة العدل، بحسب T24، أن التحقيقات المالية شملت أيضًا تحويلات مالية من جهات أجنبية إلى بعض الجمعيات، وأن وحدة التحقيق في الجرائم المالية التركية MASAK تدرس مصدر هذه الأموال وصلتها بالأنشطة التي تتناولها التحقيقات.
الحكومة: حماية الأطفال والأسرة
وتقدم الحكومة التركية العملية من زاوية مختلفة؛ إذ تربطها بحماية الأطفال والأسرة والنظام العام.
وقال وزير العدل أكين غورلك إن عمليات «عائلتي بأمان» تأتي في إطار رؤية «عقد الأسرة والسكان 2026–2035» والتعميم الرئاسي رقم 2026/4، مؤكدًا أن السلطات لن تتسامح مع ما تصفه بشبكات الاستغلال والأنشطة غير القانونية التي تستهدف الأطفال والشباب والأسرة.
وتقول النيابات إن الهدف من التحقيقات هو منع أنشطة تعتبرها السلطات مخالفة للقانون، وحماية «المصلحة الفضلى للأطفال» والأسرة والقيم الأخلاقية المشتركة في المجتمع.
في المقابل، انتقدت منظمات حقوقية تركية العملية، وقالت إن استهداف جمعيات وناشطين في مجال مجتمع الميم LGBTİ+ وفرض قيود على مواقعهم وحساباتهم يمثل تضييقًا على حرية التنظيم والتعبير.
ونقلت الوكالة عن نقابة الأطباء الأتراك ومنظمات LGBTİ+ انتقادات للعمليات، معتبرة أن التعامل مع الهوية الجندرية والتوجه الجنسي باعتبارهما أساسًا للملاحقة يمثل تمييزًا. وهذه المواقف هي مواقف الجهات التي أصدرتها، في مقابل الرواية القانونية التي تقدمها السلطات.
الحزب الكردي ينقل القضية إلى البرلمان
في خضم هذه التطورات، انتقل الحزب الكردي من إصدار التصريحات السياسية إلى طرح القضية داخل البرلمان التركي.
فقد قدمت النائبة عن الحزب أوزغول ساكي سؤالين برلمانيين إلى وزير العدل أكين غورلك ووزير الداخلية مصطفى تشفتشي، طالبت فيهما بتوضيحات حول الأساس القانوني للعمليات وقرارات حجب المواقع، وكذلك استخدام الشرطة القوة خلال بعض الاحتجاجات.
كما أثارت ساكي، بحسب T24، مسألة استخدام مصطلح «نزع الجندر» (cinsiyetsizleştirme) في التعليمات الرسمية، مطالبة بتوضيح الأساس القانوني والمعايير التي تحدد نطاق مفهوم «الأخلاق العامة».
وقبل ذلك، نقلت T24 عن النائب في حزب الأكراد DEM جنكيز تشيتشك انتقاده للعمليات، وربطه بالسؤال الأوسع حول قدرة المسار السياسي الجاري على اكتساب الثقة المجتمعية.
وتساءل تشيتشك، وفق الصحيفة، عن كيفية ضمان الثقة في مسار السلام والمجتمع الديمقراطي في الوقت الذي يرى فيه الحزب أن المجال السياسي والمدني يتعرض للتضييق. (T24)
كما أظهرت تغطية وسائل الإعلام التركية تصريحات متكررة لقيادات DEM تنتقد العمليات. ونقلت Haberler عن قيادات الحزب عبارات من بينها أن الحديث عن السلام لا يمكن أن يتزامن، من وجهة نظر الحزب، مع تضييق المجال الديمقراطي.
من العمليات الأمنية إلى الخلاف السياسي
وهنا تتقاطع القضية مع ملف أكثر حساسية بالنسبة إلى الحياة السياسية التركية، وهو مسار «تركيا بلا إرهاب».
فحزب DEM من الأطراف الأساسية المنخرطة في هذا المسار السياسي، ولذلك فإن اعتراضه على عمليات «عائلتي بأمان» لا يُقرأ في وسائل الإعلام التركية باعتباره خلافًا حول ملف حقوقي أو أمني فقط، بل باعتباره جزءًا من النقاش حول طبيعة المرحلة السياسية المقبلة.
وهذا تحديدًا ما ركز عليه تقرير صحيفة Sözcü المنشور في 20 سبتمبر. فالصحيفة ربطت بين استمرار «تركيا بلا إرهاب» وبين الموقف الذي سيتخذه حزب DEM في المرحلة المقبلة، خصوصًا في ظل الحديث عن إمكانية إجراء تعديلات دستورية.
وبحسب محرر أخبار أنقرة في Sözcü TV سيركان آلان، فإن DEM يحاول شرح موقفه من المسار السياسي للمجتمع، بينما أصبحت العمليات الأخيرة إحدى القضايا التي يستخدمها الحزب لتوضيح موقفه. وأضاف أن قرارات الحزب المقبلة ستكون مرتبطة كذلك بالخطوات التي ستتخذها الحكومة.
ولا يعني ذلك، وفق المعطيات المتاحة، أن الحزب أعلن الانسحاب من مسار «تركيا بلا إرهاب»، أو أن الحكومة أعلنت إنهاء تعاونها معه. وإنما تشير المعلومات المتاحة إلى ظهور خلاف سياسي واضح حول العمليات وطريقة إدارة المجال الديمقراطي والمدني بالتزامن مع استمرار المسار السياسي الأوسع.
عملية أمنية في قلب مسار سياسي حساس
وبذلك تحولت عملية «عائلتي بأمان – Ailem Güvende» من حملة أمنية وقضائية أعلنتها الحكومة تحت عناوين حماية الأطفال والأسرة ومكافحة جرائم قالت السلطات إنها قيد التحقيق، إلى قضية ذات أبعاد سياسية أوسع.
فالحكومة تؤكد أن العمليات تستهدف جرائم وأنشطة غير قانونية، بينما ترى منظمات حقوقية وأطراف سياسية، بينها الحزب الكردي، أن اتساع نطاق الإجراءات ليشمل جمعيات وناشطين وصحفيين ومواقع إلكترونية يثير أسئلة تتعلق بالحريات العامة والمجال الديمقراطي. (T24)
وفي الوقت نفسه، تزامن الخلاف مع استمرار مسار «تركيا بلا إرهاب»، ومع نقاش سياسي حول المرحلة الدستورية المقبلة، ما أعطى موقف DEM من العمليات أهمية تتجاوز القضية الأمنية نفسها.
وبناء على المعطيات المنشورة حتى 20 سبتمبر/أيلول 2026، فإن توصيف ما يحدث بأنه «شرخ بين الحكومة وحزب DEM» هو توصيف استخدمته سوزوجو استنادًا إلى قراءة سياسية ومواقف الحزب الأخيرة، وليس إعلانًا رسميًا عن انهيار العلاقة أو انتهاء المسار السياسي المشترك.
وتظل النتائج القانونية النهائية للتحقيقات والقضايا القضائية منفصلة عن الاتهامات التي أعلنتها السلطات في مرحلة التحقيق، كما أن مواقف حزب DEM والمنظمات الحقوقية تمثل مواقف سياسية وحقوقية لأصحابها وليست أحكامًا قضائية نهائية.



















