أنقرة (زمان التركية)- تتوالى المؤشرات والبيانات التي تعكس عمق أزمة الغلاء وصعوبة المعيشة في تركيا، حيث كشفت أحدث المعطيات عن تراجع قدرة المواطنين على استيفاء احتياجاتهم الغذائية الأساسية، في وقت تشهد فيه أسعار السلع ارتفاعاً مستمراً يثقل كاهل الأسر.
وأظهرت نتائج دراسة حديثة أجرتها مؤسسة “إبسوس” لإحصاء الأغذية والأسر أن نحو 36% ممن لا يتناولون وجبة الغداء في منازلهم يلجؤون إلى إلغائها وتخطيها تماماً.
وعلى الرغم من أن الدراسة لم تربط هذا السلوك بالخسارة المباشرة للدخل بشكل صريح، إلا أن تزامن هذه الظاهرة مع الارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية كشف مجدداً عن حجم الضغوط الاقتصادية المتزايدة على موائد المواطنين.
وأوضحت الدراسة الميدانية، التي استندت إلى مفكرات طعام رقمية وصور للموائد جمعت من نحو 8 آلاف أسرة، أن وجبة الغداء باتت الحلقة الأضعف في النظام الغذائي اليومي.
فبينما تتناول الأسر وجبتي الإفطار والعشاء في المنازل بنسب مرتفعة بلغت 93% و94% على التوالي، انخفضت نسبة استهلاك وجبة الغداء داخل المنزل إلى 60% فقط.
والمقلق في الأرقام أن ثلث الأشخاص الذين لا يتناولون الغداء في البيت لا يستبدلونه بالمرور على المطاعم أو وجبات العمل، بل يتخلون عن الوجبة بالكامل.
وتأتي هذه التطورات في ظل التضخم المتواصل الذي يلتهم القوة الشرائية، إذ أظهرت بيانات هيئة الإحصاء التركية لشهر أغسطس 2026 أن أسعار الأغذية والمشروبات غير الكحولية سجلت قفزة سنوية بلغت 33.79%، متجاوزة المعدل العام للتضخم الذي بلغ 31.51%.
ووفقاً لحسابات اتحاد نقابات العمال التركية (TÜRK-İŞ) للفترة نفسها، فإن الحد الأدنى للإنفاق الغذائي الشهري المطلوب لتوفير نظام غذائي صحي ومتوازن لأسرة مكونة من أربعة أفراد في العاصمة أنقرة ارتفع إلى 37,388 ليرة، في حين قفز خط الفقر الذي يشمل الاحتياجات الأساسية كالخدمات والسكن والتعليم والصحة إلى 121,786 ليرة.
ولم تُحسم الدراسة ما إذا كان اعتماد الأسر المكثف على الطهي المنزلي في وجبتي الإفطار والعشاء ينبع من تفضيل شخصي أم فرضته الظروف المادية القاسية؛ إذ إن التحليل الأعمق لغلاء التكاليف وجعل خيار الأكل الخارجي بعيد المنال يعزز فرضية الإجبار لا الخيار.
كما بينت الأرقام أن نسبة طلب الطعام الجاهز لوجبة العشاء لم تتجاوز 3%، فيما بلغت نسبة المنتجات الجاهزة 5% والتطبيقات المعتمدة على الأطعمة المجمدة 1% فقط، وهي نسب ضئيلة تبقى معلقة بين الثقافة الغذائية التقليدية وبين الضائقة المادية التي تحول دون تحمل تكاليف المطاعم.
ورغم حرص الدراسة على ألا تعزي ظاهرة الغياب عن وجبة الغداء إلى الفقر وحده بشكل مباشر، فإن قراءة هذه البيانات جنباً إلى جنب مع معدلات التضخم المرتفعة تكشف عن تحولات هيكلية في النمط الاستهلاكي للشارع التركي.
فالمشهد المعيشي اليوم لم يعد يطرح سؤال “ماذا يأكل المواطن؟”، بل أصبح يتساءل بمرارة عن السلع التي اضطر للاستغناء عنها، والوجبات التي بات مرغماً على إسقاطها من برنامجه اليومي.



















