أنقرة (زمان التركية)- تواجه إمارة دبي، التي طالما عُدّت العاصمة التجارية والاقتصادية لمنطقة الخليج، هزة عنيفة قد تعصف بعصرها الذهبي؛ حيث بدأت موجة نزوح جماعي للشركات ورؤوس الأموال على خلفية التوترات العسكرية الراهنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
وفيما تراجعت صادرات النفط الإماراتية إلى النصف وتوقفت إشارات الملاحة، بدأ قطاع العقارات الفاخرة في دبي يطلق صيحات الإنذار، وسط توقعات بإغلاق ثلث شركات الوساطة العقارية في المدينة خلال الأشهر الستة المقبلة.
ونقلت منصة “ميدل إست آي” (MEE) البريطانية عن مصادر بارزة في قطاع الشحن البحري وملاك السفن، أن العديد من الشركات والموظفين في قطاع الملاحة اللوجستية بدبي بدأوا بالفعل حزم أمتعتهم مغادرين دولة الإمارات.
وباتت كبرى الشركات العالمية تضع اللمسات الأخيرة لنقل مقارها إلى وجهات بديلة أكثر أماناً، حيث برزت العاصمة اليونانية أثينا وقبرص كأبرز الخيارات المتاحة، نظراً لموقعهما الاستراتيجي في عالم البحار وما تقدمانه من حوافز وضمانات ضريبية جاذبة.
وتتجسد أعمق أزمات هذه الحرب في الممرات المائية؛ إذ أدى الحصار المتبادل وإغلاق الممرات البحرية بين الولايات المتحدة وإيران إلى احتجاز ونشوء اختناق ملاحي لنحو 2000 سفينة تجارية علقت داخل مياه الخليج.
ورغم مأساوية المشهد، إلا أن هذا الإغلاق أحدث طفرة تاريخية “متناقضة” في قطاع الشحن العالمي؛ حيث أدى نقص المعروض من السفن الطليقة وإعادة رسم خطوط إمداد الطاقة إلى قفز أسعار الشحن (النولون) إلى مستويات قياسية غير مسبوقة.
وفي الوقت الذي سجلت فيه صادرات النفط والغاز الأمريكية أرقاماً قياسية مستفيدة من الأزمة، فإن رحلات الشحن من السواحل الأمريكية إلى آسيا باتت تستغرق وقتاً أطول بكثير مقارنة بالمسارات التقليدية عبر الخليج العربي. وتُظهر بيانات مؤسسة “Breakwave Tanker Shipping ETF”، المعنية بمراقبة أسعار ناقلات النفط الخام، أن أجور شحن النفط قفزت بنسبة هائلة بلغت 240% منذ اندلاع العمليات العسكرية ضد إيران.
وعلى الجانب الآخر من هذه الطفرة التي جناها عمالقة الشحن الدولي، تلقى قطاع الملاحة الإماراتي ضربة قاصمة. فميناء “جبل علي”، الذي يعد أحد أكبر موانئ إعادة الشحن في العالم والشريان اللوجستي المهيمن على الحركة بين الشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا، أصيب بشلل شبه تام جراء الحصار وتشديد إيران قبضتها على مضيق هرمز، مما تسبب في هبوط صادرات النفط الإماراتية بأكثر من النصف.
وفي شهادة تعكس عمق الأزمة، قال أحد ملاك السفن في تصريحات لـ “ميدل إست آي”:”المسألة لم تعد مجرد تباطؤ في حركة الأعمال، بل إن دبي فقدت موثوقيتها كمركز عالمي آمن ومستقر. في ظل أجواء الحرب الحالية، لم يعد المرء واثقاً حتى من قدرته على العثور على تذكرة طيران لإجلاء عائلته إلى لندن أو باريس في حالات الطوارئ”.
وشكلت دبي في حقبة ما بعد الجائحة المغناطيس الأكبر لجذب الاستثمارات وسلاسل الثروة عالمياً، مستفيدة من ازدهار العملات المشفرة، والبيئة الضريبية الجاذبة (صفر ضرائب على الدخل والأرباح الرأسمالية)، لتتحول إلى ملاذ آمن لشرائح متباينة؛ بدءاً من مصرفيي لندن والمستثمرين الأمريكيين، وصولاً إلى الفارين من حرب شرق أوروبا من الروس والأوكرانيين، وحتى تجار الذهب الأفارقة.
لكن المؤشرات الراهنة تؤكد أن هذا العصر الذهبي يلفظ أنفاسه الأخيرة؛ حيث كشف تقرير نشرته مجلة “أربيان بزنس” (Arabian Business) عن كارثة وشيكة تهدد قطاع العقارات، إذ توقعت منصة عقارية كبرى إغلاق نحو 30% من شركات وجماعات الوساطة العقارية النشطة في دبي خلال فترة لا تتجاوز 5 إلى 6 أشهر.
وتضرب هذه الموجة الارتدادية للحرب صغار العقاريين والمضاربين الذين يركزون على البيع على الخارطة (Topraktan satış) ولا يملكون ولاءً طويل الأمد للمدينة، على غرار “المغتربين” الغربيين المغادرين. وتوضيحاً لمدى التضخم الحاصل في هذا السوق، أشار لويس ألسوب، رئيس مجلس إدارة شركة الاستشارات العقارية “Allsopp & Allsopp”، إلى أن دبي تعاني من تضخم هائل في أعداد الوسطاء؛ حيث يسجل في دبي نحو 1000 وسيط عقاري لكل 100 ألف نسمة، في حين لا تتجاوز هذه النسبة 176 وسيطاً فقط لنفس الكثافة السكانية في العاصمة البريطانية لندن.









