أنقرة (زمان التركية)- تتجه إسرائيل نحو كتابة فصل جديد في تاريخ الحروب الحديثة، حيث كشف وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، عن رؤية استراتيجية تقضي بنقل الثقل العسكري لبلاده إلى الفضاء الخارجي.
ولم يعد الهدف الإسرائيلي محصوراً في حماية الأقمار الصناعية أو جمع المعلومات الاستخباراتية، بل يمتد ليشمل امتلاك قدرات هجومية تتيح لها توجيه ضربات من المدار الخارجي نحو أهداف أرضية، لتدخل بذلك نادياً عسكرياً غير مسبوق.
خلال مؤتمر نظمه “المكتب الوطني لمكافحة تمويل الإرهاب”، أوضح كاتس أن الفضاء يفرض قواعد لعبة جديدة تماماً؛ فهو مساحة تلغى فيها أهمية المساحات الجغرافية والتعداد السكاني.
وأكد وزير الدفاع أن الخطط الإسرائيلية لا تقتصر على الدفاع عن الأصول الفضائية أو تعطيل قدرات الخصوم، بل تتجاوز ذلك إلى تنفيذ عمليات هجومية انطلاقاً من الأعلى نحو الأرض، سواء عبر تعطيل الأنظمة الإلكترونية أو باستخدام الضربات الحركية (الكينيتية).
وأعلن كاتس رسمياً منح المؤسسة الأمنية توجيهاً واضحاً للوصول إلى “الأسبقية الهجومية” في هذا المجال، مشيراً إلى البدء الفعلي في استقطاب أبرز العقول والخبرات لتحقيق هذا الهدف.
تأتي هذه التصريحات في وقت لم تعد فيه فكرة “حروب الفضاء” مجرد سيناريو من أفلام الخيال العلمي. فمع الطفرة التي أحدثتها شركات القطاع الخاص مثل “سبايس إكس” في خفض تكاليف الإطلاق، أصبحت تكنولوجيا الفضاء أكثر سهولة وتدفقاً.
وتنظر القوى العظمى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، إلى الفضاء كمسرح عمليات متكامل وليس مجرد بيئة داعمة للقوات الأرضية، مما يمنح الخطوة الإسرائيلية أبعاداً جيوسياسية بالغة الأهمية.
لقيت خطة كاتس تأييداً من خبراء الصناعات الدفاعية؛ إذ يرى نعام سيغال، المدير التنفيذي لشركة “إيميج سات إنترناشيونال”، أن الوزير اتخذ خطوات جريئة لتجاوز البيروقراطية وإعداد خطة لبناء قوة فضائية استثنائية لم يشهدها القطاع منذ عقود. وشبّه سيغال هذه المبادرة بمشروع “القبة الحديدية” الذي ارتبط باسم وزير الدفاع الأسبق عمير بيرتس، متوقعاً أن ترتبط حقبة كاتس بالتحول الاستراتيجي نحو الفضاء.
من جانبه، أوضح البروفيسور دان بلومبرغ، رئيس وكالة الفضاء الإسرائيلية سابقاً، أن هذه الرؤية تحمل رسائل متعددة للخصوم والحلفاء على حد سواء.
وأشار بلومبرغ إلى أن الدروس المستفادة من النزاعات الأخيرة أظهرت مخاطر الاعتماد المفرط على الدعم الأمريكي، مما يفرض على تل أبيب تطوير تقنيات محلية تتيح لها الوصول إلى مسافات بعيدة جداً، معتمدة على الفضاء كركيزة أساسية لهذه القدرات.
تحول الفضاء إلى جبهة قتال مفتوحة يتزامن مع تقديرات أمريكية تشير إلى أن الطيف الكهرومغناطيسي بأكمله قد يصبح عرضة للهجمات بحلول عام 2040.
وتعتمد الجيوش الحديثة بكثافة على المنظومات الفضائية لتحديد المواقع، والإنذار المبكر، وتوجيه الضربات عالية الدقة عبر آلاف الكيلومترات.
وفي هذا السياق، تسعى واشنطن لمواجهة الاستثمارات الضخمة التي تضخها الصين وروسيا في تطوير أسلحة مضادة للأقمار الصناعية وتقنيات الحرب الإلكترونية.
وفي مفاجأة لافتة، أشار يوسي يامين، القائد السابق لوحدة الأقمار الصناعية في الجيش الإسرائيلي، إلى أن “أول حرب فضائية في التاريخ لم تقع بين الولايات المتحدة وروسيا، بل حدثت بالفعل بين إسرائيل واليمن”.
وأكد يامين أن هذا التحول يفرض على إسرائيل فتح المجال أمام الشركات الناشئة وقطاع التكنولوجيا التكتيكية للابتكار بتكاليف منخفضة، بالتوازي مع دور الشركات الكبرى في تطوير الأنظمة الثقيلة مثل منظومة “حِصن 3” (آرو 3) المخصصة لاعتراض الصواريخ الباليستية في الفضاء.
يُعد مفهوم “الهجوم المداري العالمي” — أي ضرب أهداف أرضية انطلاقاً من المدار — بعداً جديداً كلياً حتى بالنسبة للدوافع العسكرية الأمريكية القائمة.
ومع وجود تقنيات فعلية قابلة للتطوير مثل المركبة الفضائية غير المأهولة “X-37” التابعة لشركة بويينغ، يؤكد الخبراء أن تحويل هذه المركبات إلى أسلحة حركية أو صواريخ مجنحة تعمل من الفضاء الخارجي بات أمراً ممكناً من الناحية الفيزيائية والتكنولوجية، مما يضع العالم على أعتاب مرحلة جديدة من المواجهات العسكرية المدارية.



















