أنقرة (زمان التركية)- لا يزال ضحايا أزمة الصناديق الاستثمارية في تركيا يجهلون متى وكيف يمكنهم استرداد أموالهم ومستحقاتهم، بينما تمر حياة الذين استثمروا مدخراتهم بالكامل في هذه الصناديق بأيام عصيبة.
وفي هذا السياق، تحدث اثنان من المتضررين لوكالة “DW” بنسختها التركية ليرويا تفاصيل معاناتهما مع هذه الأزمة المتصاعدة.
وفي الوقت الذي وافقت فيه لجنة التخطيط والميزانية في البرلمان التركي على مشروع قانون ينظم عمليات التصفية وإعادة الأموال، يترقب المستثمرون العاجزون عن الوصول إلى مدخراتهم إجابات واضحة حول الموعد المحدد لاستعادة أموالهم.
ويغطي مشروع القانون المرتقب مناقشته في الجمعية العامة للبرلمان الصناديق التي خضعت للتصفية بموجب قرارات هيئة سوق المال (SPK) الصادرة في 17 أيلول/سبتمبر، إضافة إلى الصناديق التي تستمر إجراءات تصفيتها عند صدور القانون.
وتُحدد حقوق الملكية عبر مطابقة سجلات التصفية مع بيانات مؤسسة الإيداع المركزي (MKK)، مع الاستثناء الصريح لأي شخص تثبت هيئة سوق المال تورطه في ممارسات مخلة بالسوق، أو تسريب معلومات، أو احتيال مالي من تلقي أي تعويضات.
غير أن مدى قدرة الضحايا على استرداد أموالهم بموجب هذا الإطار القانوني لا يزال غير معلوم، مما يجعل الوضع شديد الخطورة، خصوصاً بالنسبة للذين ضخوا كافة ادخاراتهم في هذه الصناديق.
“اقترضت من البنوك لأستثمر في الصندوق”
أحد هؤلاء الضحايا هو بركاي (25 عاماً)، ويعمل برمجياً.
يروي بركاي أنه بدأ الاستثمار بمبلغ صغير في أكتوبر/تشرين الأول 2025، ومع تحقيقه أرباحاً منتظمة، ازدادت ثقته بالنظام واستثمر مبالغ أكبر.
ويضيف أنه بدأ أول استثماراته في صندوق شركة “تيرا بورتفوي” (Tera Portföy) الرمز “TLY”، وقام بمرور الوقت بتشجيع أقاربه على الانضمام:
“عندما كان يسألني الأقارب والأصدقاء عما يمكنهم فعله بمدخراتهم المركونة، كنت أوجّههم إلى نظام الصناديق الاستثمارية. أدخلت عائلتي وأصدقائي المقربين في هذا النظام، حتى أصبحنا 8 أشخاص بإجمالي استثمارات بلغت 10 ملايين ليرة تركية”.
ويؤكد بركاي أنه لم يتوقع يوماً أن ينهار هذا النظام، مشيراً إلى أنهم غير قادرين على استعادة أموالهم المحتجزة.
ويتابع بأسى: “لقد صادرت الدولة أموالنا، وورطت نفسي وعائلتي في الإفلاس، موضحاً أنه حصل على قروض بنكية لضخها في الصناديق.
وأشار المبرمج الشاب إلى أنه لم يبحث عن عمل سابقاً لاعتماده على الدخل السلبي المتأتي من الصناديق، مما يجعله اليوم عاطلاً عن العمل ويحاول سداد ديون إحدى بطاقاته الائتمانية عبر بطاقة أخرى:
“لدي 900 ألف ليرة تركية محتجزة بالداخل. لم أكن أعمل لأنني اعتمدت على أرباح النظام، وأنا الآن بلا عمل، وعاجز عن سداد ديون البطاقات الائتمانية لعدم توفر سيولة نقدية لدي. أبحث عن عمل حالياً. لم أتمكن أنا ولا أفراد عائلتي الذين دخلوا النظام بسببي من استرداد رؤوس أموالنا، وما زلنا ننتظر. أشعر بأسف شديد لإقحام من حولي في هذا المحيط، لكنني أعتقد أننا نتجاوز هذه الأزمة بطريقة ما”.
“لم يخضع أي سياسي للمحاكمة”
متضرر آخر هو (ب. أ.)، مبرمج يبلغ من العمر 40 عاماً، قرر استثمار جميع المدخرات التي جمعها طوال حياته المهنية قبل بضعة أشهر فقط من وقوع الأزمة.
يوضح أنه أصيب بالقلق جراء تحركات السوق وأصدر أمر بيع في 17 أيلول/سبتمبر، لكن أمواله التي تتجاوز 14 مليون ليرة ظلت محتجزة داخل الصندوق.
ويعبر عن اعتراضه الشديد لعدم قدرته على الوصول إلى أمواله رغم اتخاذه قرار البيع في الوقت المناسب: “ما حدث وقع على كاهل ملايين المواطنين الذين كانت أموالهم في الداخل. لم يُحاكم أي سياسي يفترض محاكمته بسبب أزمة الصناديق هذه. الحكومة ترفض الاعتراف بما اقترفه وزيرها، بينما تم تسريب معلومات للداخل مكنت بعض الأشخاص من سحب أموالهم قبل اندلاع الأزمة. كيف يُسمح لهم بفعل ذلك؟”
يعرب (ب. أ.) عن تخوفه من أن تكون الدفعات التي ستصرف بعد التصفية دون توقعاته، مؤكداً تراجع ثقته بالمؤسسات الحكومية تدريجياً.
ومع استمرار انتظاره لاسترداد رأسماله، يلفت إلى أن التدفقات المالية من استثماراته توقفت فجأة، ولم يعد قادراً على الاستثمار أو تأمين تدفق نقدي، مما أثر بشكل خطير على مستقبله.
ويضيف: “أعيش في حالة كبيرة من عدم اليقين. أطالب بإعادة أموالي، فلست في وضع يسمح لي بالقيام بأي استثمار آخر الآن. تلك المرحلة انتهت تماماً. تقول لي الدولة ‘لقد دخلت وأنت على علم بالمخاطر’، فمن عساه يعرف مثل هذه المخاطر؟ هل كنا نلعب القمار؟ ومن يبقى لنثق به سوى الدولة؟”
ماذا يعني دفع مبلغ مرحلي بقيمة مليون ليرة تركية؟
ينص المقترح المعروض على البرلمان التركي على تقديم دفعة مرحلية تصل إلى مليون ليرة تركية، بشرط ألا تتجاوز صافي الاستثمار غير المعدل للتضخم في الصناديق التي تحددها هيئة سوق المال.
وبخلاف صناديق سوق النقد، لن تتجاوز القيمة المسددة قيمة الحصص في نهاية اليوم السابق للحساب.
وفي حال عدم كفاية السيولة النقدية، يحق لهيئة سوق المال منح الأولوية لأصحاب الاستثمارات ذات الصافي الأدنى أو تخفيض المبلغ المقترح.
وتشدد المذكرة على أن هذه الدفعة المرحلية—التي تُخصم من الإجمالي النهائي للمستحقات—لا تعني ضمان صرف مليون ليرة للجميع، ولا تعني أن الدولة تضمن الخسائر بالكامل.
ووفقاً للمبررات الواردة في المقترح، لن تُمول الدفعات من الميزانية العامة للدولة، بل من أصول الصناديق والموارد المستردة.
وسيتم أولاً تحصيل الخسائر الناجمة عن المعاملات غير القانونية من شركات إدارة المحافظ، وإذا تعذر ذلك، سيُصار إلى حجز أصول الأشخاص والشركات التي تثبت مسؤوليتها، على أن تتولى مؤسسة التأمين على الودائع والادخار (TMSF) إدارة العملية بناءً على نتائج هيئة سوق المال.
كما جرى تعديل احتساب التنازل الطوعي عن الأرباح داخل اللجنة؛ إذ سيعتمد متوسط التغير في مؤشرات أسعار المستهلك (TÜFE) وأسعار المنتجين المحليين (Yİ-ÜFE) بدلاً من العوائد المماثلة. ولا يعفي هذا الإرجاع صاحبه من المسؤولية القانونية أو الجنائية، كما لا يُعد إقراراً فردياً بالمسؤولية.
وبحسب رئاسة الاتصالات، تم دفع 6.4 مليار ليرة تركية لـ 43,643 مستثمراً في صناديق شركات “A1″ و”Bulls” و”Pardus”.
ومن المستهدف استكمال التصفية العينية والنقدية بقيمة 40.5 مليار ليرة لهذه الشركات بحلول نهاية الأسبوع، مع تسريع الدفعات المرحلية للصناديق الـ 65 الأخرى عقب إقرار المقترح.
كيف بدأت أزمة الصناديق الاستثمارية؟
وكانت هيئة سوق المال (SPK) قد أعلنت رصدها في الربع الأخير من عام 2025 تحركات غير مبررة اقتصادياً في أسعار أسهم ذات تداول منخفض تابعة لبعض الصناديق.
وفي المرحلة التالية، فُرضت قيود استثمارية جديدة عبر تغيير معايير المستثمرين وقواعد المقاصة والتقييم.
ومع العجز عن تلبية طلبات سحب الأموال، قررت الهيئة في 17 أيلول/سبتمبر إخضاع 131 صندوقاً تتبع لـ 7 شركات إدارة محافظ للتصفية.
ووفقاً لبيانات مؤسسة الإيداع المركزي (MKK)، بلغ عدد المستثمرين الفرديين المسجلين في هذه الصناديق 455,758 مستثمراً.
وفي ظل استمرار النقاشات حول التحقيقات القضائية ومسؤوليات الرقابة، منح وزير الخزانة والمالية محمد شيمشك، في 14 أكتوبر/تشرين الأول، إذن فتح تحقيق بحق رئيس هيئة سوق المال السابق، إبراهيم أومير غونول.


















