أنقرة (زمان التركية)- خطت تركيا خطوة جديدة في صراع النفوذ البحري بالمنطقة عبر إعلان منطقتين كـ “محميتين بحريتين وطنيتين” في البحر إيجة وشرق المتوسط؛ الأولى في المنطقة الممتدة بين فتحية وكاش (قبالة رودس وميس)، والثانية في شمال إيجة بين جزيرتي ليمانوس وساموثراكي.
وجاء هذا القرار بموجب مرسوم رئاسي نُشر في الجريدة الرسمية التركية، في خطوة يُنظر إليها كردٍّ مباشر على السياسات اليونانية الأخيرة الخاصة بإعلان المحميات البحرية وتخطيط المجال البحري.
بموجب المرسوم الرئاسي، تغطي إحدى الحدائق التي أُعلنت حديثًا الشريط الساحلي بين منطقة فتحية في موغلا ومنطقة كاش في أنطاليا. وتبلغ مساحة حديقة فتحية-كاش البحرية الوطنية 21700 كيلومتر مربع.
المنطقة الثانية هي “المنتزه الوطني لبحر إيجة الشمالي”. تمتد هذه المنطقة، التي تبلغ مساحتها 1742 كيلومترًا مربعًا، من سواحل شبه جزيرة غاليبولي وغوكشيدا إلى سواحل تيكيرداغ. وستتولى الإدارة العامة لحماية الطبيعة والمنتزهات الوطنية التابعة لوزارة الزراعة والغابات إدارة هذه المحميات البحرية.
ووفقًا لما أوردته صحيفة “تو فيما” اليونانية، تعكس هذه الخطوة مسعى أنقرة لربط الملفات البيئية برؤيتها الخاصة للسيادة البحرية.
وترتكز المقاربة التركية على عدم ثبوت حقوق سيادية للجزيرة اليونانية تعلو نطاق الـ 6 أميال بحرية، مع المطالبة بترسيم الجرف القاري استنادًا إلى اليابسة الرئيسية لكلا البلدين.
وتولي تركيا أهمية استراتيجية لمنطقتين أساسيتين: شمال شرق إيجة الذي شَهد بداية النزاع عام 1973 عقب اكتشاف النفط قبالة ثاسوس، وشرق المتوسط الذي تُرسخ فيه أنقرة مفهوم “الوطن الأزرق” عبر مذكرة التفاهم الموقعة مع ليبيا عام 2019.
وتأتي المحميات التركية الجديدة، التي أُدرجت أيضًا ضمن خطة المكان البحري غير الرسمية المقدمة لليونسكو، لتقليص النفوذ اليوناني وحصر جزرها داخل مياهها الإقليمية فقط.
من جهتها، تعتمد أثينا على مبدأ خط المنتصف لترسيم المناطق البحرية مع دول الجوار حال غياب الاتفاقيات الثنائية، وهو ما يمنح جزرها جرفًا قاريًا ومنطقة اقتصادية خالصة تمتد حتى منتصف المسافة مع سواحل مصر وليبيا وقبرص وتراكيا، بما في ذلك اتفاقيات ترسيم الحدود الموقعة مع مصر وإيطاليا؛ وهي الاتفاقيات التي تعتبرها أنقرة باطلة لتعارضها مع الميثاق التركي-الليبي.
وصرح الأدميرال المتقاعد جيهات يايجي منظر العقيدة البحرية الاستراتيجية التوسعية والمعروفة باسم ” الوطن الأزرق “، بأن الحدائق البحرية الوطنية “لا ينبغي النظر إليها كمجرد خطوة بيئية”، مضيفًا أنها ستعزز الفعالية الإدارية لتركيا وقدرتها على إدارة الشؤون البيئية في مجالها البحري. وفي تقييمه للقرار لصحيفة “تركيا” ، قال يايجي: “إن إعلان حديقة بحرية وطنية لا يُنشئ، في حد ذاته، سيادة جديدة أو ولاية بحرية جديدة. هذا القرار لا يحل محل اتفاقية ترسيم الحدود البحرية؛ ولا يُنشئ مياهًا إقليمية، أو جرفًا قاريًا، أو منطقة اقتصادية خالصة”. ومع ذلك، أضاف: “إن إعلان حديقة بحرية وطنية يُعزز الفعالية الإدارية لتركيا، وقدرتها على إدارة الشؤون البيئية، والدراسات العلمية، وأنشطة الرصد، والتنفيذ المستمر لسلطة الدولة في مناطق سيادتها وولايتها القضائية”. كما ذكر يايجي أن “القرار سيساهم في إبراز حقوق تركيا ومصالحها في الوطن الأزرق بشكل أكبر”.
وفي المقابل، أثار إعلان محمية “فتحية-كاش” قبالة رودس وميس ردود فعل واسعة لدى الأوساط اليونانية التي وصفت الخطوة بـ “التوسع التركي”، مشيرة إلى أن فرض ضوابط بيئية على مساحة شاسعة كهذه أمر غير عملي ويُستخدم كغطاء لإعادة طرح المطالب الإقليمية.
وقالت وزارة الخارجية اليونانية إن إعلان محميات طبيعية في المياه الدولية أو ضمن الجرف القاري اليوناني بشكل أحادي يُعد مخالفًا للقانون الدولي ولِقانون البحار، مؤكدة أن هذه التدابير التركية لا تترتب عليها أي آثار قانونية ولن تمس بالحقوق السيادية لليونان.
ويربط مراقبون توقيت القرار التركي بالمسارات الجيوسياسة الإقليمية، حيث جاء بعد يوم واحد فقط من 15 أغسطس، تزامنًا مع دخول شركة “ميريديان” الفرنسية في مشروع الربط الكهربائي بين اليونان وقبرص، وفي وقت تنتظر فيه أثينا تقديم مشروع قانون لإدراج عقيدة “الوطن الأزرق” ضمن التشريعات التركية.
ورغم استبعاد صدور آثار قانونية مباشرة عالميًا، ألمحت الخارجية اليونانية إلى أن القرار يضر بمسار حسن الجوار، في حين تتجه الأنظار إلى الخريف المقبل حيث من المتوقع أن تصدر أثينا إخطارات “نافتكس” لاستئناف مد كابل الكهرباء بين اليونان وقبرص، ما قد يفجر جولة جديدة من التوتر مع أنقرة.
وأفادت مصادر دبلوماسية يونانية، في حديثها لصحيفة “كاثيميريني”، بأن قرار أنقرة يُنظر إليه في أثينا على أنه “تصعيد خطير”. وذكرت المصادر أن الحكومة اليونانية ووزارة الخارجية “تُعدّان ردًا، مع إعطاء الأولوية لإبلاغ الاتحاد الأوروبي والمنظمات الدولية”. وأوضحت المصادر أن المحمية البحرية في شمال بحر إيجة تقع بين جزيرتي ليمنوس وساموثراكي اليونانيتين، بينما تفصل المحمية في البحر الأبيض المتوسط فعليًا جزيرة ميس عن جزيرة رودس، وتُحيط بها.
وذكر التقرير أن “مسؤولين يونانيين يقولون إن تصرفات أثينا قد تُمثل محاولةً للترويج لما يعتبرونه مزاعم لا أساس لها من الصحة تحت ستار حماية البيئة”. ووفقًا للمصادر، فإن أثينا “تُقيّم ما إذا كان قرار إنشاء المحميات البحرية الوطنية ردًا على مدّ الكابل الذي سيوفر وصلة كهربائية بين اليونان وقبرص، وعلى العلاقات المتنامية مع ليبيا، أم أنه إجراء معزول يستهدف الرأي العام المحلي”.
وانتقد حزب سيريزا اليساري المعارض وحكومة ميتسوتاكيس تركيا. ووصفت الأمينة العامة للحزب، رينا دورو، خطوة أنقرة بأنها “أحدث حلقة في سلسلة طويلة من الاستفزازات التركية”، مضيفةً: “يُستثنى من إنشاء المتنزه الأول جميع الاختصاصات البحرية حول جزيرة ميس اليونانية، بينما يمتد الثاني بين ساموثراكي وليمنوس”. واتهمت دورو الحكومة بالافتقار إلى استراتيجية وطنية و”الاستمرار في الانخداع بوهم الهدوء في بحر إيجة”.
وركزت وسائل الإعلام اليونانية، ولا سيما تلك التي علقت على المحميات البحرية، على “حصار جزيرة ميس”، بينما زعمت صحيفة “تو فيما” أن “تركيا تستعد لتقسيم بحر إيجة إلى قسمين”. وعلقت صحيفة “تا نيا” قائلة: “استفزاز مزدوج مع المحميات التركية. تركيا تحاصر جزيرة ميس، متمركزة بين جزيرتي ليمنوس وساموثراكي”. كما ذكر موقع “ميليتير” الإلكتروني: “بينما تعلن تركيا عن محميات بحرية، فإن مشروع أثينا لمد كابل كهربائي إلى جنوب قبرص في شرق البحر الأبيض المتوسط معلق”.
فيما يتعلق بوضع الكابل الذي سيوفر اتصالاً كهربائياً بين اليونان وقبرص، من المتوقع أن تصدر أثينا إشعارات NAVTEX اللازمة في الخريف.



















