أنقرة (زمان التركية)- انعكست “أزمة الصناديق الاستثمارية” في تركيا بالسلب، علي حرية الرأي والصحافة في البلاد خلال شهر سبتمبر/ أيلول الجاري، حيث صدرت قرارات باعتقال صحفيين وخبراء اقتصاديين وحجب حساباتهم التي يتابعها الملايين، على وسائل التواصل الاجتماعي، ما يعكس رغبة السلطات في تجميد الحديث عن الأزمة التي خلقت هلعا في المجتمع التركي، وأثرت على الثقة في الحكومة.
وأزمة الصناديق الاستثمارية في تركيا هي فضيحة مالية كبرى ضربت أسواق رأس المال التركية، وأسفرت عن قرار تنظيمي صارم من هيئة أسواق المال التركية (SPK) بـ تصفية 131 صندوقاً استثمارياً تديرها 7 شركات لإدارة المحافظ (من أبرزها تيرا وبوصلة وهدف)، مما أثر على أكثر من 455 ألف مستثمر فرد وسط تجميد أصول وتوقيفات شملت قيادات بارزة في القطاع المالي.تبلغ القيمة الإجمالية للمحافظ المقررة تصفيتها نحو 18 إلى 21.4 مليار دولار (ما يعادل قرابة 891 مليار ليرة).
وخلال شهر أيلول/سبتمبر الجاري، الذي شهد اندلاع أزمة الصناديق الاستثمارية، اتسع نطاق قرارات حظر الوصول في تركيا بشكل ملحوظ؛ حيث شملت قرارات الحجب مئات المحتويات الرقمية، بدءاً من الأخبار المتعلقة بما يُعرف بـ “أزمة الصناديق الاستثمارية”، وصولاً إلى الحسابات الشخصية لصحفيين واقتصاديين وأكاديميين ومؤسسات إعلامية على منصات التواصل الاجتماعي، مع تصاعد لافت في عمليات الاحتجاز والتوقيف بحق الصحفيين.
ويأتي ذلك تزامناً مع إعلان وزارة العدل التركية عن إنشاء “مكاتب أمن البيئة الرقمية ومكافحة التضليل” في 175 نيابة عامة.
ورصدت “جمعية حرية التعبير” عبر مشروعها “EngelliWeb” حظر الوصول إلى العديد من التقارير الإخبارية التي تناولت تفاصيل علاقات بعض شركات إدارة المحافظ الاستثمارية ومديريها بشخصيات عامة.
وأفادت الجمعية بحظر ما لا يقل عن 250 حساباً على منصة “X” في يوم واحد بناءً على قرارات قضائية متفرقة، حيث قامت المنصة بتقييد ظهور معظم هذه الحسابات داخل تركيا متذرعة بمفاهيم “الأمن القومي وحفظ النظام العام”.
ولم تتوقف قرارات الحجب عند حدود التغطيات الإخبارية، بل طالت حسابات شخصيات بارزة تضم نحو 12 مليون متابع، بزعم نشر “منشورات مضاربة” تتصل بأسواق المال.
وكان من بين المستهدفين الخبير الاقتصادي أوغور غورسيس، والأكاديمي فيسل أولو صوي، وبروفيسور التمويل بيلجه يلماز، إلى جانب الصحفيين ناز يافوز أرسلان ودينتشير غوكشه.
وفي الوقت نفسه، لُوحظ قيام وكالة الأناضول الرسمية بحذف تقارير إخبارية سابقة تتعلق بـ “مجموعة تيرا” والشركات المرتبطة بها عقب فتح تحقيقات بشأنهما واعتقال مديريها.
وامتدت إجراءات الحجب لتشمل مؤسسات صحفية ومنظمات مجتمع مدني؛ إذ طالت القرارات حسابات صحفيين مثل إرفان ديغيرمنجي وشيرين بايزين، ومواقع إخبارية مثل “soL Haber” و”Kısa Dalga”، إلى جانب منظمة العفو الدولية في تركيا، وجمعية دراسات الإعلام والقانون، وعدداً من المنظمات النسوية والأنشطة الطلابية.
وقد أثارت هذه القرارات ردود فعل سياسية معارضة، حيث دعا رئيس الحزب الجديد أوزغور أوزيل إدارتي “X” و”إنستغرام” إلى عدم الاستجابة للضغوط السياسية أو التحول إلى أدوات لتقييد حرية التعبير والتضييق على المعارضة.
وكان وزير العدل أكين غورليك أعلن عن استحداث هيكلية قضائية جديدة تحت اسم “مكاتب أمن البيئة الرقمية ومكافحة التضليل” لدى 175 نيابة عامة لمراكز الجنائية الكبرى.
ورغم تأكيد الوزير أن الهدف يكمن في حماية الشباب والحقوق الشخصية ومكافحة الجرائم الرقمية، إلا أن أوساطاً حقوقية وصحفية أبدت مخاوف جادة من أن يُستخدم التوسع في تفسير مفهوم “التضليل الإعلامي” كغطاء مادي لفرض رقابة إضافية على النشاط الصحفي والتعبير السياسي.
وعلى صعيد التضييق الميداني والأمني، أوقف الأمن التركي الصحفية المستقلة أويَا لاله أرسلان في أنقرة بتهمة “نشر معلومات تضليلية” والترويج للإرهاب، وهو ما نفته الصحفية مؤكدة استهداف نشاطها المهني.
كما جرى اعتقال الصحفي صلاح الدين غونداي والمراسل السابق لوكالة جيهان عثمان أرسلان على خلفية إعادة فتح التحقيق في وفاة المسؤول الاستخباري السابق كاشف كوزينوغلو، للتحقيق في تغطيات صحفية يعود تاريخها لعام 2011.
وشهد الشهر الحالي أيضاً توقيف الصحفية طوبى تكيريك بتهمة “الخدش بالحياء” بسبب مقال رأي، واحتجاز الصحفي علي طاراكتشي على خلفية منشور ادعى فيه استقالة وشيكة لأحد الوزراء.
تأتي هذه التطورات في وقت يحذر فيه خبراء الحقوق الرقمية وحرية الصحافة من أن تكثيف عمليات حظر المحتوى وتأسيس مكاتب التحقيق الرقمي بالتوازي مع ملاحقة الصحفيين قضائياً، من شأنه أن يكرس واقعاً معقداً يهدد حق الجمهور في الوصول إلى المعرفة، ويفرض بيئة عمل شديدة الصعوبة على الصحافة المستقلة في البلاد.
تسلسل زمني لأبرز قرارات الحجب والاعتقالات خلال شهر (أيلول/سبتمبر 2026):
3 أيلول: حظر حسابات “شبكة التضامن الأسري”، الحساب الجديد لـ “soL Haber”، والكاتب فرات إيريز.
4 أيلول: حظر حساب الصحفي إرك أجارير، واعتقال الصحفية أويَا لاله أرسلان في أنقرة.
10-12 أيلول: احتجاز الصحفي صلاح الدين غونداي ثم صدور قرار بحبسه رسمياً.
11 أيلول: توقيف رئيس تحرير صحيفة “بولو غونديم” حسين أيكان.
12-13 أيلول: حجب حسابات منظمة “Kaos GL” وعدة جمعيات حقوقية وحسابات شخصية.
13-15 أيلول: احتجاز الصحفية طوبى تكيريك في إسطنبول ثم حبسها بتهمة “المجون والخروج عن الحياء”.
14 أيلول: صدر قرار من محكمة مرسين لحجب حسابات جريدة “إيفرينسيل”، منظمة العفو الدولية بتركيا، وأكاديميين ونشطاء.
15 أيلول: توقيف مراسلين صحفيين أثناء تغطية احتجاج أمام مجمع “تشاغلايان” القضائي قبل الإفراج عنهما لاحقاً.
16 أيلول: شمول الصحفيَين إرفان ديغيرمنجي وشيرين بايزين بقرارات حجب الحسابات.
19-21 أيلول: توقيف الصحفي السابق عثمان أرسلان وحبسه على خلفية تقرير صحفي يعود لـ 15 عاماً مضت.
22 أيلول: حظر 194 حساباً مهتماً بالشؤون المالية والاقتصادية يتابعها نحو 12 مليون شخص.
24 أيلول: حجب أكثر من 250 حساباً من بينها حساب مؤسس “İFÖD” يامان أكدينيز، وحجب تقارير إخبارية حول أزمة الصناديق الاستثمارية.
25 أيلول: حظر حساب الصحفية جانان كايا، واحتجاز الصحفيَين إمرة سونجار ومحمد يشار دوروكان.
26 أيلول: حظر 80 حساباً إضافياً بينها منصة “Kısa Dalga”، واحتجاز الصحفي علي طاراكتشي وحبسه، إلى جانب قرار تنسيقي من دائرة الاتصالات الرئاسية بحجب 133 حساباً آخر.
يذكر أن أزمة الصناديق الاستثماريةت فجرت في تركيا عندما أصدرت الهيئة التنظيمية لأسواق المال في مطلع سبتمبر 2026، قواعد جديدة تُلزم الصناديق بتنويع محافظها ومنعها من استثمار كامل أصولها في سهم واحد. وللامتثال للقوانين الجديدة، حاولت الصناديق بيع أجزاء من حصصها في الأسهم الصغيرة، مما أثار ذعر المستثمرين الذين هرعوا لسحب أموالهم وتسييل استثماراتهم (تجاوزت السحوبات مئات مليارات الليرات). تسبب ذلك في عجز شركات إدارة أصول بارزة (مثل Tera Portföy وPusula Portföy) عن تلبية طلبات الاسترداد لعدم توفر السيولة، مما أدى لانهيار السوق وتوقف التداول مؤقتاً.


















