أنقرة (زمان التركية)- انتقد رئيس حزب الديمقراطية والتقدم التركي (DEVA)، علي باباجان، ما وصفه بضعف جهود مكافحة الفساد في تركيا، محذراً من أن الفساد بات يشكل تهديداً مباشراً للاقتصاد الوطني، بعدما تجاوزت تداعياته حدود التجاوزات الفردية وأصبحت تمتد إلى مختلف قطاعات النظام الاقتصادي.
وقال باباجان إن تركيا لم تنفذ سوى 10 خطوات من أصل 54 إجراءً أوصى بها مجلس أوروبا لمكافحة الفساد، رغم مرور أربع سنوات على تقديم التوصيات، متسائلاً: «ماذا كنتم تفعلون طوال السنوات الأربع الماضية؟».
وأضاف أن الفساد تحول إلى ما يشبه الخلايا السرطانية التي انتشرت في جسد النظام بأكمله، مؤكداً أن العلاج الحقيقي لهذه الأزمة يتمثل في إصدار قوانين جذرية تحد من الفساد، وليس الاكتفاء بعمليات قضائية شكلية.
وجاءت تصريحات باباجان خلال مشاركته في اجتماع «Forum X» بمدينة أنطاليا، حيث التقى ممثلين عن عالم الأعمال ومنظمات المجتمع المدني في مأدبة إفطار، وتناول خلالها تطورات أزمة الصناديق الاستثمارية والفساد المرتبط بها.
أزمة الصناديق الاستثمارية تفاقمت رغم معرفة الحكومة بها
وفي تعليقه على أزمة الصناديق الاستثمارية، قال باباجان إن القضية كانت موجودة منذ أربع سنوات، مشيراً إلى أن وزير العدل قال إن الملف وصل إلى وزارته قبل عامين، بينما أقر وزير الخزانة والمالية قبل عام بأن الحكومة كانت على علم بوجود تلاعب داخل الصندوق.
وتساءل: «إذا كنتم تعرفون ذلك، فلماذا لم تتخذوا أي إجراء؟ ولماذا انتظرتم حتى اليوم؟ ولماذا تركتم الأزمة تتضخم وتتضخم إلى أن تحولت إلى تكلفة ضخمة ألقيت على عاتق هذا البلد؟».
وشدد على ضرورة الحديث بصراحة عن الفساد في تركيا، قائلاً إن حجمه وصل إلى مستوى بات معه قادراً على توجيه ضربة كبيرة للاقتصاد الوطني.
وانتقد تبرير بعض المسؤولين والمنتخبين للتجاوزات المالية بعبارات من قبيل «إنه يسرق لكنه يعمل»، قائلاً: «فليعملوا دون سرقة. لقد أصبحت الأموال التي جرى الاستيلاء عليها ضخمة إلى درجة أنها باتت تضرب اقتصاد البلاد».
ودعا الجميع إلى عدم التستر على قضايا الفساد بحجة الانتماء الحزبي أو حماية المسؤولين، مضيفاً: «لم يعد مقبولاً القول إن أحدهم من حزبنا، أو إننا لا نريد إلحاق الضرر به. فالبلد بأكمله يتضرر الآن، ونحن جميعاً ندفع الثمن».
خسائر تتجاوز 170 مليار دولار
وأشار باباجان إلى أن الخسائر التي تكبدتها الشركات المدرجة في البورصة التركية وحدها تجاوزت 170 مليار دولار من حيث القيمة السوقية، متسائلاً عن حجم الأضرار الإضافية التي لحقت بالشركات غير المدرجة، وسوق العقارات، وإجمالي الأصول الاقتصادية في البلاد.
وأوضح أن مصالح عدد محدود من الأشخاص تسببت في إلحاق أضرار جسيمة بالاقتصاد التركي، مؤكداً أن مكافحة الفساد لم تعد مسألة إدارية أو سياسية محدودة، بل أصبحت قضية تمس الاقتصاد بأكمله.
54 توصية أوروبية لم تنفذ تركيا سوى 10 منها
وفي معرض حديثه عن الإجراءات المطلوبة لمكافحة الفساد، دعا باباجان الحكومة إلى إثبات جديتها من خلال إصدار تشريعات تحد من فرص الفساد، موضحاً أن البلديات لا تملك وحدها صلاحية وضع الأطر القانونية اللازمة، وأن المسؤولية تقع على عاتق البرلمان التركي.
ولفت إلى أن تركيا عضو مؤسس في مجلس أوروبا، كما أنها وقعت اتفاقية مكافحة الفساد المعروفة باسم مجموعة الدول المناهضة للفساد (GRECO).
وأوضح أن المجموعة قدمت عام 2022 إلى تركيا قائمة تضم 54 خطوة يتعين اتخاذها فيما يتعلق بكبار المسؤولين التنفيذيين والنواب والمدعين العامين والقضاة، وذلك في إطار الاستفادة من التجارب الدولية في مكافحة الفساد.
وأضاف: «لقد مرت أربع سنوات، لكن لم يتم اتخاذ خطوات سوى في 10 ملفات فقط. ماذا كنتم تفعلون طوال هذه السنوات الأربع؟».
باباجان: لا تخدعوا أحداً بعمليات توقيف شكلية
ودعا باباجان الحكومة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة وجادة، محذراً من أن الاكتفاء بعمليات توقيف أو اعتقال محدودة لن يقنع الرأي العام بوجود إرادة حقيقية لمكافحة الفساد.
وقال: «لا يمكنكم خداع أحد بعملية أو عمليتين شكليتين للاعتقال أو التوقيف. الفساد في هذا البلد انتشر مثل الخلايا السرطانية التي أصابها الانتشار الثانوي، حتى بات يشمل الجسم بأكمله».
وأضاف أن الحكومة إذا كانت جادة في إيجاد حل جذري، فعليها طرح التشريعات المطلوبة على البرلمان، والعمل على إقرار البنود الـ44 المتبقية من التوصيات الأوروبية.
كما دعا إلى تطبيق تشريعات الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالمشتريات العامة والمناقصات الحكومية داخل تركيا.
وأوضح أن المكتسبات التشريعية للاتحاد الأوروبي تتضمن 33 فصلاً، أحدها يتعلق بالمشتريات العامة، مشيراً إلى أن 28 دولة، بما فيها المملكة المتحدة، تطبق تشريعات مشتركة لتنظيم المشتريات الحكومية والاستثمارات العامة.
وتساءل عن سبب عدم تطبيق تركيا لهذه القواعد، قائلاً إن مشروعات القوانين اللازمة موجودة بالفعل على مكاتب الوزراء المعنيين، وإنها أُعدت في وقت سابق، لكنه أشار إلى أن عدم قبولها كان أحد أسباب انفصاله عن المسار السياسي السابق.
وأضاف: «إذا كنتم جادين في مكافحة الفساد، فتعالوا نطبق تشريعات الاتحاد الأوروبي الخاصة بالمشتريات العامة في تركيا كما هي. يمكن تمريرها في البرلمان خلال شهر واحد، والبدء في تطبيقها بصورة منتظمة بعد ثلاثة أشهر».
الفساد أصبح تهديداً للأمن القومي والاقتصادي
وفي ختام تصريحاته، ربط باباجان بين قوة الاقتصاد التركي وقدرة الدولة على حماية أمنها ومستقبلها، قائلاً إن الاقتصاد القوي ضروري لضمان تطور التركيبة السكانية بصورة سليمة، وتوفير المرونة المالية اللازمة للإنفاق على الدفاع والأمن.
وأضاف: «إذا كان القائمون على إدارة هذا البلد يتحدثون منذ سنوات عن البقاء والوجود الوطني، فإن الخطر الحقيقي على بقاء الدولة بات قائماً اليوم. نحن أمام مرحلة أصبح فيها الفساد المتنامي يضرب اقتصاد البلاد، وأصبح الاقتصاد نفسه قضية تتعلق ببقاء الدولة».
وشدد على ضرورة التحرك دون تأخير، قائلاً: «لم يعد هناك مجال للتأجيل، ويجب اتخاذ كل ما يلزم اعتباراً من اليوم».
واختتم باباجان بالقول إن علاج الفساد لا يكون بعمليات قضائية محدودة، بل بإصدار القوانين التي وصفها بالعلاج الكيميائي القادر على القضاء على الخلايا السرطانية المنتشرة في النظام.
وأضاف: «أصدروا تلك القوانين. قد تكون أدوية السرطان فعالة أحياناً وقد لا تكون كذلك، لكن العلاج الذي أتحدث عنه سيقضي على السرطان ولن يترك منه شيئاً في الجسد. عندها يمكن لتركيا أن تواصل طريقها وهي نظيفة ومعافاة».
وأكد أن تركيا بلد كبير ويمتلك إمكانات واسعة، ويمكنه النهوض والانطلاق مجدداً متى أُحسن إدارته واتُخذت فيه القرارات الصحيحة.



















