بيروت (أ ب) – كان من المتوقع على نطاق واسع أن يؤثر الاتفاق النووي مع إيران على قضايا الشرق الأوسط الأخرى، وهو ما قد يكون يجري بالفعل في سوريا: سلسلة من المناورات الدبلوماسية الأخيرة تشير إلى رغبة متزايدة للانخراط على الأقل مع حكومة بشار الأسد المدعومة من إيران حول سبل إنهاء الحرب الأهلية في البلاد.
الزعيم المحاصر لا يبدو أكثر ميلا إلى التنحي الآن مما كان عليه قبل أربع سنوات، وأي اتفاق لا يزال يبدو بعيد المنال، ولكن يبدو أن هناك سعيا وراء عن حل أنيق -الذي على سبيل المثال- قد يسمح له بدور انتقالي. الأمر في جزء منه مدفوع أيضا من خلال فريق القيادة الجديد في المملكة العربية السعودية، والذي بزغ مع ارتقاء الملك سلمان العرش في يناير / كانون ثان.
عامل آخر يتمثل في ظهور وانتشار تنظيم الدولة الإسلامية العنيف والمتطرف على أنه أقوى معارضة ضد الأسد، وهو أقوى بكثير من مقاتلي المعارضة المعتدلين نسبيا الذين حصلوا على قدر من الدعم العالمي بعد بدء الصراع قبل أربع سنوات.
على الرغم من وحشية حكومته والقصف الجوي الذي سوى بالأرض بعض المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، فإن طبيب العيون السابق البالغ من العمر 50 سنة يبدو الآن نسبيا أكثر قبولا على الأقل بالنسبة للبعض.
أسفرت الحرب الأهلية عن مقتل 250 ألف شخص على الأقل، وشردت نصف السكان، وأغرقت الدول المجاورة الهشة باللاجئين، وتركت الجهاديين يحتلون ليس فقط الكثير من سوريا ولكن أيضا ربما ثلث العراق.
ومن بين التطورات في الأيام الأخيرة:
– في أعقاب وساطة من قبل رعاة الأسد الروسيين، عقد اجتماع هادئ لكسر الجمود في الرياض في أواخر يوليو / تموز بين رئيس مكتب الأمن القومي السوري القوي اللواء علي مملوك والأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد ووزير الدفاع السعودي. ويمثل هذا تحولا كبيرا وفتح قنوات بين البلدين اللذين أصبحا خصمين في الصراع السوري. المملكة العربية السعودية جنبا إلى جنب مع غيرها من دول الخليج هم داعم أساسي لمقاتلي المعارضة الذين يقاتلون للإطاحة بالأسد.
– غادر وزير الخارجية السوري وليد المعلم الخميس إلى عمان بعد زيارة استمرت يومين لطهران، وسط تقارير غير مؤكدة في وسائل الإعلام الموالية للأسد ??تقول بأن الحكومة العمانية تحاول التوسط لعقد اجتماع لوزراء خارجية سوريا وإيران والسعودية.
– قالت إيران إنها تستعد لتقديم مقترح خطة سلام من أربع نقاط لسوريا إلى الأمم المتحدة. ووفقا لبعض التقارير، فإنه يشتمل على “حكومة وحدة وطنية”؛ وهو مصطلح للسماح بفترة لحفظ ماء الوجه للأسد، والتي سيتقاسم فيها السلطة، وإجراء انتخابات تحت إشراف دولي؛ ولكن الأمر سيكون قد جلب بعض الظهور أيضا للمعتدلين نسبيا والمهمشين الذين فشلوا في إزاحة الأسد عسكريا.
– اتفق وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف يوم الأربعاء على قرار للأمم المتحدة يهدف إلى تحديد المسؤولين عن هجمات الأسلحة الكيميائية في سوريا، ووافق مجلس الأمن بالإجماع على القرار أمس الجمعة.
وقال سفير روسيا لدى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين للصحفيين أمس الجمعة إن هناك “احتمالا كبيرا” أن مجلس الأمن، المنقسم بشكل بالغ إزاء سوريا، سوف يعتمد بيانا رئاسيا مطلع الأسبوع المقبل يصادق على خطة جديدة للمبعوث الخاص للأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا تهدف إلى التمهيد لإجراء محادثات سلام جديدة. مضيفا “ستكون الوثيقة السياسية الأولى حصريا في الأزمة السورية التي تحظى بتوافق الآراء”.
وقال دي ميستورا في أواخر الشهر الماضي إنه من السابق جدا لأوانه عقد مؤتمر جنيف ثالث للسلام، ودعا بدلا من ذلك إلى محادثات تمهيدية مكثفة بين جميع أطراف النزاع بشأن القضايا الرئيسية بما في ذلك الانتقال السياسي ومكافحة الإرهاب.
على الرغم من أن عددا قليلا سوف يقول ذلك علنا، إلا أن هناك قبولا متزايدا، ولو على مضض، بأن مثل هذه التسوية قد تكون في النهاية ضرورية.
قد تدفع الخسائر الإقليمية الهائلة التي مني بها الأسد لاستكشافه الخيارات الدبلوماسية لحل الأزمة. لكنه من غير المرجح أن يتنحى تماما، وإذا كان هناك أي شيء فإنه قد يكون أكثر ميلا للتمسك بالسلطة، على أمل أن تدعم إيران جيشه المنهك بأموال أكثر بعد تحررها من العقوبات الاقتصادية .
وقال المحلل الجيوسياسي في دبي تيودور كاراسيك إن الاتفاق النووي الإيراني، الذي أبرم الشهر الماضي بين طهران والقوى العالمية الست، “فتح الباب أمام إعادة تخطيط وحل المشاكل الجيوسياسية”.
وأضاف “يبدو لي أن كل اللاعبين الإقليميين والدوليين يسارعون إلى محاولة إقامة نظام جديد في أعقاب اتفاق ايران، وسوف يستمر الأمر… نشهد تناميا كبيرا في دبلوماسية مكوكية قام بها جميع الأطراف”.
هذا الأسبوع، عقد وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ووزير الخارجية السعودي عادل الجبير لقاء ثلاثيا نادرا يوم الاثنين في العاصمة القطرية الدوحة. وتضمنت الجلسة مناقشات حول الأزمة السورية.
كما التقى لافروف خلال جولته في قطر معاذ الخطيب، الرئيس السابق للائتلاف الوطني السوري وهو جماعة المعارضة التي كثيرا ما يذكر اسمها كرمز انتقالي ممكن.
وقال لافروف هذا الأسبوع إن روسيا، الحليف المقرب من حكومة الأسد، تسعى لتجميع جبهة لمكافحة الإرهاب والتي من شأنها أن تشمل الجيش السوري والجيش العراقي والأكراد.
وقال كاراسيك إنه يبدو أن روسيا على وجه الخصوص تعمل كمفاوض بشأن المسألة السورية وتريد أن تكون شريكا في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية. وأردف أنها ترى نفسها أيضا اللاعب الرئيسي في التوسط لعلاقات جديدة بين العرب وطهران.
وأضاف “في أعقاب صفقة إيران، هناك فرص جديدة لتسوية الخلافات الإقليمية، وتحاول روسيا الوفاء بما تراه مهمة تاريخية لجمع جميع الأطراف معا”.
موسكو أيضا لها علاقة ممتدة مع إيران.
التقى وزير الخارجية الإيطالي باولو جينتيلوني الجبير في روما يوم الجمعة وقال في مؤتمر صحفي بعد ذلك إن إيران يمكن أن تسهم في إيجاد حل للأزمة السورية. كان الجبير فاترا تجاه الفكرة، قائلا “لقد كانت إيران جزءا لا يتجزأ من قتل الشعب السوري، وبالتالي فإننا نعتقد أنه ينبغي ألا يكون لها دور” في مستقبل سوريا.
شكل أي تسوية سياسية في سوريا يظل غير واضح.
ستجد الولايات المتحدة أنه من الصعب للغاية أن تدعم رسميا أي خطة من شأنها أن تضفي الشرعية على الحكومة السورية. وأكد كيري على موقف واشنطن في الدوحة، قائلا إن “الأسد ونظام الأسد فقدا شرعيتهما منذ فترة طويلة”، حتى مع دعوته مرة أخرى للتوصل إلى حل سياسي للأزمة.
من غير المرجح أن تتخلى إيران عن دعمها للأسد حتى لو كان اتفاقها النووي يقدم أفق انفتاح دبلوماسي مع الغرب. وقال كيري في الدوحة إنه في الوقت الذي يأمل أن يكون هناك “قلب للصفحة” مع إيران حول مختلف القضايا الإقليمية، إلا أنه حتى الآن لم يتم تقديم خيار دبلوماسي حول سوريا.
لا يزال الأسد يحكم قبضته على المناطق الأساسية الرئيسية لبقائه، على الرغم من أنه قد فقد ربما أكثر من نصف البلاد لصالح مئات من جماعات المعارضة المقاتلة والمتطرفين الإسلاميين. وفي كلمة ألقاها الشهر الماضي – أول خطاب علني له منذ سنة – أقر بأن قواته فقدت أراض وتفقد الإمكانات البشرية، لكنه تعهد بكسب الحرب، موضحا أنه سيقاتل حتى النهاية.
وقال أيهم كامل، مدير منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة يوراسيا في لندن “على الرغم من الهزائم العسكرية، أصبح النظام السوري سياسيا أكثر قابلية للاستمرار بسبب عدم وجود بديل”.
وقال إنه علاوة على ذلك، لم يعد لدول الخليج نفس الأولويات التي كانت لديها في بداية الصراع في سوريا. وأوضح أن الحرب في اليمن وتهديد تنظيم الدولة الإسلامية لهما الصدارة.
وقال سايمون هندرسون، مدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في معهد واشنطن إن القيادة السعودية الحالية ما زالت تعارض أي تصور يعطي ايران نصرا استراتيجيا في سوريا من خلال ترك الأسد أو أي رجل قوي آخر من طائفته العلوية في السلطة.
لكنه قال إن القيادة الجديدة في المملكة العربية السعودية منذ وفاة الملك عبد الله تهز الافتراضات القديمة. وقال هندرسون إن محمد بن سلمان، ولي ولي العهد القوي، على استعداد للذهاب خارج الأسوار التي أقيمت سلفا”.

















