إسطنبول (زمان عربي) – عقب كارثة انهيار منجم الفحم في بلدة سوما التابعة لمحافظة مانيسا غرب تركيا، ومصرع 301 عامل داخل المنجم أواسط شهر مايو/ آيار الماضي انتشرت ادعاءات تشير إلى أن المناجم الموجودة في بلدة سوما تجري مراقبتها وفق اللوائح
ذات الصلة. وقيل قبل ذلك إن البرلمان التركي لم يناقش أي شيئ يتعلق بهذه المناجم. وسرعان ما بدأت الأكاذيب تظهر شيئًا فشيئًا عقب وقوع الكارثة.
كان النائب البرلماني عن حزب الشعب الجمهوري من محافظة مانيسا أوزجور أوزيل قد تقدم بطلب يتعلق بمناجم بلدة سوما قبل 15 يومًا من وقوع الكارثة وتناول الحوادث التي وقعت في السابق. غير أن البرلمان رفض طلب أوزيل. وكان المفتش المنوط به مراقبة
أوضاع المناجم على صلة قرابة بأحد مسؤولي المناجم في البلدة. كما اتضح – عقب الواقعة – أن مفتش الوزارة تربطه علاقة زوجية بالخبيرة التي انتدبتها المحكمة. أضف إلى أن أغلب العمال الذين كانوا يعملون بالمنجم كانوا قد بدأوا العمل به بتوصية من فروع
حزب العدالة والتنمية بالمدينة.
وقد انتخبت زوجة المدير العام للمنجم كعضو في مجلس بلدية سوما عن حزب العدالة والتنمية. واتضح بعد ذلك أن صاحب المنجم الذي تهرّب من تكاليف بناء “غرف الحياة” في المنجم قد أنشأ ناطحة سحاب بطريقة غير قانونية بأموال المقاولات الزائدة في إسطنبول.
وفي أثناء زيارة رئيس الوزراء، في ذلك الوقت، رجب طيب أردوغان لموقع حادث المنجم ركل مستشاره أحد أقارب أحد عمال المنجم الذين راحوا ضحية للحادث. وعلى الرغم من انتشار مقاطع مصورة تثبت الواقعة، أُنكرت جميعًا. ولم تتضمّن حزم القوانين الجديدة
المعدة بذريعة أحداث سوما أي شيئ يصبّ في صالح عمال المناجم.
تركيا تخسر عام 2014 من أجل التستر على الفساد
على الرغم من أن حكومة حزب العدالة والتنمية استهلت مشوارها في الحكم قبل أكثر من 12 عاما بشعاراتِ وأهدافِ رفْع تركيا لتصبح ضمن أكبر عشر قوى اقتصادية في العالم والحصول على العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي والقضاء على الفجوة بين
الأغنياء والفقراء وعقد صداقات مع كل الدول المجاورة إلا أنها باتت اليوم تفعل عكس هذه الأهداف تماماً.
فالاقتصاد التركي بدأ يتدهور بسرعة كبيرة وصارت تركيا وحيدة معزولة بحيث كاد لايبقى في المنطقة والعالم أية دولة صديقة لها. كما زاد بإيقاع سريع عدد الفئات التي أصبحت غنية بفضل حزب العدالة والتنمية. بينما نرى أن الفقراء ما زادوا شيئاً سوى ازدياد فقرهم.
حسنًا، ماذا حدث حتى بدأت تركيا تشهد هذا التراجع في كل المجالات؟ ولماذ بدأت تُذكر بأخبار الفساد والرشوة وقمع الإعلام وانعدام القانون بعد أن كانت تبدو نجمًا متلألئاً ونموذجًا لدول الشرق الأوسط حتى الأمس القريب؟
هناك سبب واحد لكل ما حدث: هو محاولة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إنقاذ نفسه وأفراد عائلته بعد ضبطهم وهم متلبسون بجريمة الفساد. وبينما يحاول أن ينقذ نفسه من هذه الورطة يلجأ إلى توظيف “آلية الكذب والافتراء” الأكثر استخداماً في منطقة الشرق
الأوسط.
إن الكذب هو إحدى أدوات الإدارة والحكم. فهو أداة تُستخدم كثيراً عند الرغبة في التخلّص من المساءلة والرقابة. فاللجوء إلى الأكاذيب ونشرها في المجتمع يزداد بالتناسب مع كونها شرطاً أساسياً لا غنى عنه لمواصلة الحكم. ولذك فإن لجوء السلطات السياسية إلى
الأكاذيب هو النتيجة الطبيعية لسياساتها المعادية للديمقراطية والقانون.
واللافت أنه كما لعبت الأكاذيب والافتراءات دوراً حاسماً في منع احتجاجات حديقة “جيزي” بميدان تقسيم في إسطنبول 2013 كذلك كانت العنصر الأساسي لإفشال تحقيقات أعمال الفساد التي بدأت في 17 ديسمبر/ كانون الأول الماضي.
ويرسم كتاب “كتلة أكاذيب” لمؤلفه ديفيد إجناتيوس أحد أشهر الصحفيين في جريدة” واشنطن بوست”، والذي تحول لاحقا إلى فيلم سينمائي مشهور، كيف تتحوّل الأكاذيب إلى أداة من أدوات الإدارة والحكم للمخابرات في أنظمة الشرق الأوسط التي يحكمها رجل واحد.
ومع أن هذا الكتاب يسلط الأضواء على الأكاذيب الغربية إلا أن مفهوم “كتلة أكاذيب” أعاد إلى أذهاننا كيفية استخدام الكذب كشكل من أشكال إدارات الأنظمة القمعية. ذلك أن لنا كذلك تاريخا سياسيا مبنيا على كتلة أكاذيب. وإذا ألقينا نظرة سريعة على تاريخنا السياسي
نرى أن ترويج الأكاذيب الرسمية المصنعة في مراكز الدولة يشهد زخماً كبيراً بالتناسب مع حدوث الانقلابات العسكرية وفترات الحزب الواحد.
وبمجرّد الاطلاع على الأكاذيب التي تنشرها السلطة السياسية الحاكمة في تركيا منذ عام 2013، يمكن لنا تحديد ورسم صورة توجهها أو رؤيتها التي تعتمدها في إدارة البلاد استناداً إلى تلك الأكاذيب.
أما تكميم الأفواه وإسكات الإعلام المستقل والحرّ أو استخدام الإعلام الموالي كأداة لتنفيذ حملات دعائية يعتبر شيئاً لا يمكن الاستغناء عنه لآلية الكذب هذه.

















