أنقرة (زمان التركية)- في ظل واقع جيوسياسي معقد وأراضٍ ترزح تحت وطأة الاحتلال، أعادت جورجيا ترتيب أوراقها الإقليمية، مسلطةً الضوء على عمق تحالفها الاستراتيجي مع جارتها تركيا كصمام أمان في منطقة القوقاز.
وفي هذا السياق، أكد سفير جورجيا لدى أنقرة، أرتشيل كالانديا، أن بلاده تدرك جيدًا قيمة السلام وثمن الحرب، مشددًا على رفض تبليسي القاطع للاحتلال الروسي المستمر لأراضيها منذ الهجوم الشامل عام 2008.
وعبر الدبلوماسي الجورجي عن امتنان بلاده البالغ للحكومة التركية على دعمها الراسخ لسيادة جورجيا ووحدة أراضيها، ودورها المحوري في تعزيز مسار السلام في منطقتي البحر الأسود وجنوب القوقاز.
جاء ذلك في تصريحات أدلى بها السفير كالانديا لوكالة الأناضول، استعرض خلالها مسار العلاقات الثنائية بين أنقرة وتبليسي بالتزامن مع احتفالات بلاده بيوم الاستقلال.
وأشار السفير، الذي أتم عامه الأول في منصبه بتركيا وبدأ بالفعل في تعلم اللغة التركية، إلى أن تمثيل بلاده في أنقرة يمثل امتيازًا كبيرًا له، مؤكدًا أن البلدين ليسا مجرد شريكين استراتيجيين فحسب، بل هما صديقان مقربان تجمعهما روابط وثيقة في مختلف المجالات، ويعملان معًا كركيزة للاستقرار في المنطقة.
وشدد كالانديا على الأهمية الحيوية لدعم السلام والاستقرار في عالم متغير، قائلًا: “لا يمكن تحقيق التنمية بدون سلام، ولهذا السبب نحتاج جميعًا إليه، ولدينا الكثير من القواسم المشتركة مع تركيا في هذا الصدد”.
ووصف تركيا بأنها الحليف الاستراتيجي والشريك التجاري الأكبر لبلاده، مشيدًا بالاتصالات رفيعة المستوى بين الجانبين، والتي تجسدت مؤخرًا في مشاركة رئيس الوزراء الجورجي، إيراكلي كوباخيدزه، في منتدى أنطاليا الدبلوماسي ولقائه بالرئيس رجب طيب أردوغان؛ وهو اللقاء الذي وصفه بـ “المثمر والبنّاء”، معربًا عن أمله في أن تترجم هذه الحوارات إلى نتائج ملموسة قريبًا، لا سيما بعد تسجيل أكثر من 100 زيارة رسمية متبادلة بين البلدين خلال عام 2025.
وفي الشق الاقتصادي، جدد السفير تأكيده على أن السوق التركية تمثل شريانًا رئيسيًا للاقتصاد الجورجي، معربًا عن طموح البلدين لرفع حجم التبادل التجاري المشترك إلى 5 مليارات دولار في السنوات المقبلة عبر الجهود المشتركة.
كما وجه شكرًا خاصًا للحكومة التركية وللرئيس أردوغان على قرار السماح باستيراد العسل الجورجي إلى الأسواق التركية، مؤكدًا أن هذه الخطوة ستعزز من انتشار المنتجات الجورجية وتدعم الصادرات كأولوية قصوى للسفارة، بالتعاون النشط مع وزارة التجارة التركية والوزارات المعنية عبر اللجنة الاقتصادية المشتركة.
وعلى صعيد تعزيز الروابط بين الشعبين، ثمن السفير كالانديا إعادة تشغيل الرحلات الجوية المباشرة بين أنقرة وتبليسي كأحد أبرز إنجازات التعاون المشترك خلال العام الماضي.
وأوضح أن القرار النهائي تم اتخاذه خلال زيارة رئيس جورجيا، ميخائيل كافيليشفيلي، إلى تركيا في أغسطس الماضي، موجّهًا الشكر للرئيس أردوغان على هذا الدعم الذي لن يقتصر أثره على تنشيط حركة السياحة فحسب، بل سيسهم في تعزيز التفاعل الإنساني والثقافي، مشيرًا في الوقت ذاته إلى النجاح الكبير الذي حققته الفعاليات الفنية ضمن “أيام الثقافة الجورجية” التي استضافها مركز “بيشته بيه” للمؤتمرات والثقافة بالمجمع الرئاسي التركي.
وبمناسبة العيد الوطني لجورجيا، أوضح السفير أن يوم 26 مايو يحمل مكانة خاصة للغاية في قلوب الجورجيين، حيث تحتفل البلاد هذا العام بالذكرى الـ 108 لتأسيس جمهورية جورجيا الديمقراطية الأولى، والذكرى الـ 35 لإعادة استعادة الاستقلال.
وذكر كالانديا بكثير من التقدير أن تركيا كانت من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال جورجيا، مما يعكس عمق الشراكة التاريخية.
وفي رؤية استراتيجية للمستقبل، أكد السفير كالانديا أن جورجيا وتركيا تمثلان معبرين طبيعيين وحيويين بين الشرق والغرب، وتحديدًا ضمن “الممر الاقتصادي عبر بحر قزوين” أو ما يُعرف بـ “الممر الأوسط”.
وأوضح أن مرونة سلاسل التوريد وتطوير شبكات الربط باتت من أهم ركائز العصر الحديث، مما يمنح جورجيا ميزة استثنائية نظرًا لموقعها كملتقى طرق قاري.
واختتم كالانديا حديثه بالإشارة إلى التحالف الثلاثي الذي يضم أذربيجان وجورجيا وتركيا كقوة دافعة للربط العالمي، حيث يوفر هذا المحور وصولًا حرجًا ومباشرًا إلى الطرق الاقتصادية العالمية لثماني دول مضيفة في آسيا الوسطى وجنوب القوقاز. وأضاف أن جورجيا تتميز بكونها الدولة الوحيدة في المنطقة التي ترتبط باتفاقيات تجارة حرة مع كل من الاتحاد الأوروبي والصين، وتعمل على استكمال ترتيبات تفضيلية مع أسواق كبرى مثل الولايات المتحدة وكندا واليابان، مؤكدًا أن الهدف ليس مجرد التحول إلى مركز عبور، بل صياغة مركز متعدد الأبعاد والوظائف يربط القارات والأسواق والأفكار، ويضيف قيمة حقيقية في كل مرحلة من مراحل سلاسل الإمداد العالمية.


















