أنقرة(زمان التركية)- ذكرت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية المتخصصة في الشؤون الاقتصادية، أن الاقتصاد التركي بات أكثر هشاشة من حيث ثقة المستثمرين، وذلك في أعقاب صدور قرار قضائي يقضي بـ “البطلان المطلق” للمؤتمر العام العادي الـ 38 لحزب الشعب الجمهوري المعارض.
وسلّط تقرير الصحيفة الضوء على موجة البيع الحادة في الأسواق، والضغوط المتزايدة على الاحتياطيات النقدية، فضلاً عن تداعيات المخاطر السياسية.
وأوضحت الصحيفة في تحليلها الموسع أن هذا القرار القضائي لم يقتصر تأثيره على توازنات المشهد السياسي فحسب، بل ضرب مباشرة الجهود المستمرة التي تبذلها الإدارة الاقتصادية التركية منذ فترة طويلة لإعادة بناء جسور الثقة مع المستثمرين الأجانب.
وفي هذا السياق، أشارت الصحيفة إلى أن وزير الخزانة والمالية، محمد شيمشك، سارع لعقد اجتماع عاجل للجنة الاستقرار المالي فور إنهاء لقاءاته مع المستثمرين في لندن.
وفي وقت تحاول فيه الإدارة الاقتصادية احتواء الاضطرابات التي تشهدها الأسواق، أكد التقرير أن هذه التطورات تضع برنامج مكافحة التضخم في تركيا أمام اختبار جديد.
ووفقاً لتقييم “فايننشال تايمز”، فقد ولّد القرار القضائي ضغوطاً بيعية شديدة في الأسواق التركية؛ حيث سجلت الأسهم التركية خسائر تجاوزت الـ 6% خلال التداولات اليومية، بالتزامن مع تسارع وتيرة التحركات في سوق الصرف الأجنبي.
ونقلت الصحيفة عن مصادر في وكالتي “رويترز” و”بلومبرغ” أن البنوك الحكومية التركية ضخت نحو 8 مليارات دولار عبر عمليات بيع للنقد الأجنبي بهدف دعم الليرة التركية وكبح تراجعها.
ولفت التحليل إلى أن المشهد الراهن يعيد إلى الأذهان الاضطرابات التي تلت التطورات القضائية السابقة المتعلقة برئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو؛ حيث اضطر البنك المركزي التركي حينها لاستخدام نحو 50 مليار دولار من احتياطياته، واللجوء إلى رفع معدلات الفائدة للسيطرة على الأزمة.
وبموجب القرار الصادر عن محكمة الاستئناف الإقليمية في أنقرة، تم عزل إدارة رئيس الحزب الحالي، أوزغور أوزيل، مما يمهد الطريق لعودة الرئيس السابق كمال كليجدار أوغلو إلى القيادة مجدداً.
وأفادت الصحيفة بأن التداعيات الاقتصادية لهذا القرار تخضع لمراقبة دقيقة لا تقل أهمية عن أبعاده السياسية.
وذكر التقرير أن تصاعد مؤشرات المخاطر السياسية قد يزيد من حساسية الأسواق التركية وهشاشتها أمام المستثمرين الأجانب، كما أن عودة النقاشات حول احتمالية إجراء انتخابات مبكرة ساهمت في إذكاء حالة عدم اليقين المسيطرة على السوق.
وأوضحت “فايننشال تايمز” أن الفريق الاقتصادي التركي تحرك سريعاً عقب صدور القرار؛ حيث أعلنت لجنة الاستقرار المالي في بيان عقب اجتماعها عن اتخاذ خطوات تنسيقية لـ “الحفاظ على الاستقرار المالي الكلي” وضمان “استمرار عملية خفض التضخم دون انقطاع”، وإن كان البيان قد خلا من تفاصيل الإجراءات الملموسة التي سيتم تطبيقها.
كما استعرض التقرير تصريحات نائب الرئيس التركي، جودت يلماز، خلال مؤتمر للمستثمرين، والتي سعى من خلالها إلى طمأنة الأسواق عبر التأكيد على أن “الاقتصاد التركي سيواصل نموه” وأن “تأثيرات التطورات اليومية هي مجرد تداعيات مؤقتة”.
وتضمن التقرير تقييماً لخبراء اقتصاد من بنك “جي بي مورغان تشيس”، الذين حذروا في مذكرة بحثية من أن استمرار تصاعد المخاطر السياسية وترافقها مع ظروف عالمية ضاغطة، قد يؤدي إلى استمرار تدفقات رؤوس الأموال خارج تركيا، وهو ما قد يسرّع من وتيرة خسارة الاحتياطيات النقدية مجدداً.
ونبّهت “فايننشال تايمز” إلى أن المستثمرين الأجانب ما زالوا يحتفظون بمراكز مالية (تشمل ودائع بالليرة، وسندات، وأسهم) تقدر بنحو 63 مليار دولار، وهو رقم يتجاوز صافي احتياطيات البنك المركزي التركي باستثناء عقود المقايضة (الذمم الدائنة).
وفي تعليق له، قال ليام بيتش، كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة في “كابيتال إيكونوميكس”، إن البنية الاقتصادية لتركيا تبدو اليوم أكثر هشاشة في مواجهة الصدمات السياسية مقارنة بالفترات الماضية.
واختتمت الصحيفة تحليلها بالإشارة إلى أن ملفات عدم اليقين السياسي، وتكاليف الطاقة، وتحركات الاحتياطيات، وتدفقات رؤوس الأموال إلى الخارج، ستظل تشكل العناوين الأكثر حرجاً للاقتصاد التركي خلال المرحلة المقبلة.


















